الإثنين 18 تشرين أول , 2021

بين مأرب والقصير: نهاية المشروع الأميركي-السعودي!

مأرب والقصير

في شهر آذار بدأت الحرب على سوريا وتبعتها الحرب اليمنية مع فارق 4 سنوات وتطابق كامل في أجندة منفّذيها ومشاريعهم في المنطقة. فإذا كانت الاستراتيجية الأميركية في الحرب الأولى كما قال وزير الخارجية الأميركي ريكس تليرسون في كلمة ألقاها في معهد هوفر عام 2018 "وجود أميركي في شرقي سوريا إلى أجل غير مسمى لمواجهة النفوذ الايراني ومنعها من إقامة ممرها البري الذي يربط بين إيران ولبنان"، فإن الهدف من الحرب الثانية السيطرة على باب المندب والتحكم بالممرات المائية على بوابة آسيا والبحر الأحمر بما يوفر امتداداً سياساً وأمنياً لدول الخليج من جهة، وتأمين مكان أمثل لقواعد أميركية-إسرائيلية باستطاعتها كشف المنطقة المحاذية بالكامل.

خلال هاتين الحربين، شهدت المنطقة اصطفافاً دولياً حاداً وانقساماً فعلياً بين القوى الفاعلة في العالم. ما جعل إمكانية الحسم السريع أمراً مستحيلاً. غير ان حسم إحدى المعارك والسيطرة على مناطق معينة كانت تقلب موازين القوى في الميدان وتؤثر مباشرة على افشال المشروع المرتبط بها. وهنا نخص بالذكر معركة القصير السورية ومأرب اليمنية. فما وجه التطابق بين المعركتين؟

القصير ومأرب: نقطة الفصل في الحربين

_التأثير الاستراتيجي للسيطرة على كل من المنطقتين وانعكاس ذلك على سير المعارك والسيطرة على المناطق المجاورة:

لجهة القصير، كان هدف المجموعات الإرهابية الأساس من بسط سيطرتها على القصير هو تأمين الطريق ما بين حمص والقصير ثم إلى طرابلس، وبالتالي الوصول إلى العمق اللبناني لإتمام مشروع الإمارة المزعوم بدعم خليجي-أميركي.

يقول محمد حسنين هيكل لدى زيارته السيد حسن نصر الله أن "على الحزب إدراك أن معركة القصير كانت الأهم منذ بداية الأزمة السورية، وأن أهم نتائجها أمران: عدم سقوط النظام، ومنع تقسيم سوريا كما يريد الأميركي". حيث كان تحرير القصير بمثابة إخبار الجيش السوري للقوى الدولية أن اسقاط الدولة أمر لن يحدث، الرسالة التي تلقفتها عدد من الدول وأخذت منحى أكثر ليونة في اسراتيجيتها.

بالنسبة لمأرب فإنها تعتبر قاعدة التحالف العسكرية الأكبر حيث تضم هيئة رئاسة الأركان ومقار وزارة الدفاع وقيادتي المنطقتين العسكريتين الـ3 و7 لحكومة الرئيس المنتهية ولايته عبد ربه منصور هادي. وتعني السيطرة عليها فعليا عودة البلاد إلى مرحلة ما قبل 2015 وفشل الحرب بكل أهدافها. وبالتالي تكون حكومة صنعاء استعادت الشمال اليمني كاملاً وبسطت سيادتها على كامل المديريات والمحافظات التابعة لها.

_الاصرار على الحسم بشكل سريالي:  

"مؤسسة جيمس تاون للأبحاث" أشارت في إصدار الأسبوع الأخير من شهر شباط من العام الحالي أن "معركة مأرب ستقرر مصير اليمن من جميع النواحي لأعوام...إذا تمت السيطرة على مأرب فستتلقى الشرعية ضربة قد لا تتعافى منها وهو ما سيؤدي إلى تغير جذري في التضاريس السياسية في هذا البلد في وقت تجري في تحولات إقليمية مهمة أخرى". الأمر الذي أكدته أوساط على طريق الوساطة بين الجانبين حيث أبلغتهم واشنطن "ضرورة عدم حسم المعركة في مأرب عسكرياً" بالتوازي مع نداءات أطلقتها في المحافل الدولية "أوقفوا الحرب في مأرب". 

الأمر نفسه تكرر في القصير حيث قامت واشنطن بإعطاء مساحة كبيرة من التصريحات للمعركة فيها وما كان التحذير "بالاستمرار بالحرب على القصير" إلا إدراكاً لأهمية تلك المعركة وتغطية سياسية للمجموعات الإرهابية لضرورة حسم المعركة لصالحها بأي ثمن.

_حضور المجموعات الإرهابية على الأرض:

ألقت قوى التحالف بكامل ثقلها لوقف تقدم الجيش واللجان الشعبية تجاه مأرب فاستعانت بسجناء غوانتانامو  وبتنظيم داعش الإرهابي الوهابي والقاعدة، لتخفيف الضغط عن مأرب. وعلى الرغم من الامداد العسكري الكبير والمبالغ المالية الهائلة الا ان إمكانية الحسم في مأرب كانت معقدة للغاية، خاصة على جبهات صرواح والطلعة الحمراء والتي سيطرت عليها الجيش واللجان الشعبية فيما بعد.

تم استقدام مقاتلين من عدد من البلدان للمشاركة في الحسم كأفغانستان، الصومال، تونس، ليبيا والجزائر...

تماماً كما الحال في القصير التي قاتل فيها حوالي 7 آلاف مقاتل من المجموعات الإرهابية ومن جنسيات مختلفة. حيث أكدت السفارات الفرنسية في الشرق الأوسط انها قد رصدت دخول ما يقارب 400 عنصر من باكستان إلى سوريا عبر تركيا مؤكدة انهم وصلوا إلى تركيا على متن طائرتين سعوديتين.

كما تجدر الإشارة إلى تعاظم الخلافات بين هذه المجموعات مختلفة المرجعية والأهداف والرؤية. فتبادل الاتهامات بالخيانة المتبادلة بين قوات هادي وقوات الانتقالي وبين المجموعات الإرهابية من جهة أخرى كانت كفيلة بتسهيل سقوط عدد من المناطق وتسليمها دون عمليات عسكرية، كتحرير مديرية بيحان الواقعة في شبوة التي تخلت عن مساندة التحالف بمعظمها حيث استطاعت قوات صنعاء اجبار 5 ألوية و5 كتائب على الانسحاب من مواقعها دون اشتباكات مباشرة.

 كذلك الأمر بالنسبة للقصير:

بدأت عملية استعادة القصير في شهر أيار 2013 بعد أن تمت السيطرة على مجمل القرى الواقعة غرب العاصي والتي كانت بمثابة حلقة الوصل بين الشمال اللبناني والقصير.

في 4 حزيران كانت الخطوة التالية من العملية حيث تمكن الجيش السوري ومقاتلو حزب الله من عزل مدينة القصير وإطباق الحصار على الإرهابيين الموجودين داخلها بعد ان استقدم الجيش السوري تعزيزات من درعا ودمشق إلى القصير وحمص، مستثمراً حالة الانهاك والارباك التي أصيبت بها الفصائل المسلحة والميليشيات والتي أدت بالنتيجة إلى تشتت استراتيجيتها بين حمص والقصير.

كانت الكتائب العسكرية المشاركة لما يُسمى "المعارضة السورية" تتألف من جبهة النصرة، كتائب الوادي، المغاوير، الإيمان، قاسيون والفاروق وغيرها. فيما استقدم الجيش السوري الفرقة 3 و4 وتعزيزات أخرى من الحرس الجمهوري من أجل تغطية كامل المنطقة المحيطة.

انتهت الجولة الأولى بتحرير مطار الضبعة وجزء كبير من القصير استطاع خلالها قطع خطوط الامداد عن الإرهابيين محافظين على خط امداد واحد في قرية الحمرا الذين عادوا وطلبوا الانسحاب منه في 3 حزيران بعد شن الجيش السوري مدعوماً بحزب الله الهجوم النهائي.

 بالبداية استطاعت هذه الميليشيات من صد الهجوم من خلال التحشيد على الجبهات واستقدام التعزيزات من حلب والرقة (كتيبة الناصر صلاح الدين) إلى تلبيسة والرستن. غير ان غياب التنسيق بينها وتردد بعضها بتلبية نداء "الاستغاثة" والذين اتهموا فيما بعد "بالخيانة" حيث أبدت كتيبة الإسراء التابعة لهم والآتية من دير الزور استياءها من عدم ابلاغها بقرار الانسحاب ما أدى لتعرضها إلى قصف عنيف خسرت فيه غالبية جنودها في بساتين بلدة البويضة.

انهارت جبهات القصير بشكل دراماتيكي. والتي كانت تعتبر الحصن الذي أرادته الدول الممولة للجماعات المسلحة إقليميا ودوليا من واشنطن إلى الرياض وأنقرة... حيث شهدت فرارًا جماعيًا للقيادات خاصة في عندان في ريف حلب الشمالي. فرئيس المجلس الثوري العسكري في حلب عبد الجبار العكيدي غادر إلى القصير، معلناً أنه على رأس الف مقاتل في حلب، غير ان صراع نفوذ بين النصرة وقادة المجموعات في تلك المنطقة -حلب- مثل مصطفى الشيخ وسليم إدريس جعلته يغادر إلى القصير بغية اقناع بعض المسلحين بمناصرته الأمر الذي أدى عزله من قبل القيادة المشتركة للجيش الحر التي كانت متواجدة في تركيا ليغادر بعدها بيومين إلى القلمون برفقة 250 مسلحاً تقريباً.

ما بعد المعركتين:

بعد عمليتي ربيع النصر وفجر الانتصار وعدد من العمليات الأخرى والتي أدت إلى تحرير أكثر من 3000 كلم على محاور مأرب، بدأت ملامح حسم مأرب تظهر وتفرض مفاعيلها، حتى قبل انتهاء العملية العسكرية فيها، وبدأت ميليشيات وأدوات التحالف بإلقاء اللوم على قادة التحالف وانه تُركوا لوحدهم.

في هذا السياق، علّق عضو البرلمان منصور الحنق -التابع للتحالف السعودي-، على الوضع الذي وصلت إليه قوات هادي جوار مركز المحافظة، بالقول إنه "لم يعد لدينا ما نخسره، التحالف عقد صفقة مع الحوثي وسيسلّمه مأرب، وما علينا إلا الاستعداد للعيش في دول المهجر أو التواصل مع صنعاء، اليوم قبل غد. وإذا تطلّب الأمر اعتذاراً فلنعتذر، ليس عيباً ولا حراماً ولا جبناً ولا خوفاً، فالتحالف خذلنا والحوثي أخ كريم وابن أخ كريم".

نذكر هنا ما قاله ما يسمى بالوفد السوري المعارض فور خروجه من قصر الإليزيه بعد اجتماع مع الرئيس الفرنسي حينها فرنسوا هولند " فرنسا تراجعت عن كل كلامها السابق وتعهداتها بتزويدنا بأسلحة نوعية... الإئتلاف لن يستمر طويلاً على هذه الحال وسيتفكك".


الكاتب: غرفة التحرير