الأربعاء 20 تشرين أول , 2021

مستقبل عملاء أميركا.. القوات اللبنانية مثالاً

ليس خفياً على أحد أن ما جرى من أحداث إجرامية في منطقة الطيونة يوم الخميس الفائت، جرى تحضيرها والتحريض عليها داخل الغرف السوداء في السفارة الأمريكية في عوكر، فبالرغم من أن التحقيقات التي قيل بأنها "قائمة" لم تفض حتى اليوم إلى نتيجة، إلا أن التصريحات التي أطلقها رئيس حزب القوات اللبنانية في مقابلة أجراها مع وليد عبود في اليوم التالي من الجريمة، توضح التبني الكامل لكمين الطيونة الغادر.

يمتاز اليوم "جعجع" عن باقي حلفاء أميركا في لبنان بأنه لا يزال محل ثقتهم، ذلك بعد تخليهم والسعوديين عن أبرز قوى 14 آذار لفشلهم في تحقيق خططهم الهادفة لعرقلة مسارات حزب الله الداخلية والخارجية والتحضير لإحداث شرخ كبير بين فئات المجتمع اللبناني والدفع نحو حرب أهلية تحقيقاً لمخططهم الساعي لكبح جماح حزب الله، هذا الفشل جعل من رئيس القوات اللبنانية وحزبه الحليف رقم واحد بالنسبة لهم إلى أن يفشل كغيره ممن حمسوا لمواجهة حزب الله.

كما يجري الحال في أية دولة تشهد تدخلاً أميركياً ينال من سيادة تلك الدولة فإن العلاقة التي تربط الولايات المتحدة الأمريكية وعملائها الداخليين ضمن الدولة المشار إليها، هي علاقة السيد مع عبده، فالحليف الداخلي للأمريكيين هو مجرد "مخبر"، مهمته إيصال المعلومات وتقديم تقييم للوضع الداخلي في البلد المعين وعليه ينتظر رد أسياده لتنفيذ أوامرهم، هكذا هو الحال مع القوات اللبنانية التي لا توفر مناسبة أو حادثة إلا وتسعى جاهدةً خلالها إلى مهاجمة حزب الله وتحميله مسؤولية أي حدث قد يشهده لبنان والمنطقة أيضاً.

لطالما وجّهت القوات اللبنانية أصابعها الاتهامية نحو حزب الله في العديد من الأحداث التي جرت على الساحة اللبنانية، ففي السابق أرادت القوات اللبنانية وصقور 14 آذار إلباس حزب الله قضية اغتيال رفيق الحريري، والتي شكلت منعطفاً هاماً على الساحة اللبنانية وانشقاقاً ضخماً بين اللبنانيين ما كان ليحدث لولا الاتهام العشوائي الحاقد من قبل القوات وحلفائها لحزب الله باغتيالهم الحريري، إلا أن حكمة الحزب وما يدور في فلكه من أحزاب وقوى وطنية، استطاعوا تفكيك اللغم الكبير آنذاك الرامي إلى تحويل الساحة اللبنانية إلى ساحة صراع بين القوى اللبنانية وإضعاف حزب الله، وكل ذلك كان مبني على دعم خليجي- أمريكي، وبتقييم لقوى داخلية للوضع يقضي بأنها الفرصة السانحة للانقضاض على الحزب، ليتضح أن كل تقييماتهم كانت مبنية على أوهام وأحلام تسيطر على عقولهم.

"حمسوني"، هذا ما قاله جنبلاط تعليقاً على أحداث 7 أيار حينما كان المخطط مصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة لدى حزب الله، ظناً من "جنبلاط" بأنه قادر على تحقيق المخطط، لكن مجريات المواجهة آنذاك سارت عكس ما خطط له، واكتشف جميع أفرقاء الداخل أكانوا أصدقاء أم خصوم للحزب أن الحال في لبنان قد تغير وأن حزب الله بات قوة إقليمية تعدت الحدود اللبنانية خاصةً بعد الانتصار الذي حققه الحزب في حرب تموز 2006  وبهذا يكون الأخير قد استطاع تفكيك لغم آخر يهدف إلى إحداث حرب داخلية لبنانية.

جميع هذه التجارب السابقة أثبتت مدى الفهم الخاطىء لدى حلفاء أميركا السابقين للتغير الحاصل على الساحة اللبنانية والذي يعود سببه الأول للدعم الخيالي الذي قد حصلوا عليه من الخارج ومن أميركا بشكل خاص إن كان على الصعيد الياسي والمعنوي والمادي، والذي أدى- أي الدعم- إلى الاعتقاد بأنهم قادرين على إلحاق الهزيمة بحزب الله إلى أن وصلوا إلى النقطة التي تخلت عنهم القوى الخارجية وجرى استبدالهم بمنظمات المجتمع المدني التي يقودها حزب القوات اللبنانية ورئيسه.

وجود منظمات المجتمع المدني "NGOs" في لبنان قديم، ليس وليد تحركات 17 تشرين الأول من عام 2019، لكنه جرى تفعيل دورها في ذلك الوقت، فالولايات المتحدة الأمريكية حينما تفشل في تحقيق أهدافها في بلد ما تبقى في مسار السعي لإنجاح مخططها لكن بتغيير الخطة، وهكذا جاء القرار الأمريكية بتنشيط حركة منظمات المجتمع الدولي في لبنان ليكونوا رأس حربة تحركات السابع عشر من تشرين، التي تهدف إلى إسقاط الطبقة الفاسدة في لبنان، والتي حولت أهداف التظاهر إلى نزع سلاح حزب الله، ومنذ انطلاق ذلك الحراك تدهور الوضع الاقتصادي في لبنان واشتد الحصار عليه من قبل دول الخارج وأميركا بالتحديد والهدف الأول الوحيد من جميع هذه التحركات، هو تضييق الخناق على حزب الله وحلفاءه لتقويض قوته التي باتت تهدد الوجود الاسرائيلي في المنطقة والتي أصبحت تعد قوةً إقليمية قادرة على إنهاء التواجد الأمريكي في المنطقة أيضاً. انقضت سنتان على الحراك لكن من دون أي تقدم يذكر على الرغم من الدعم المادي الغير محدود الذي قدمته الولايات المتحدة  لتلك المنظمات والضخ  الاعلامي الهائل في محاولة منها لتقليب الرأي العام على الحزب، وكل هذا الدعم كان مصدره الأساسي السفارة الأمريكية في لبنان التي كانت تقوم وبشكل علني بإقامة المؤتمرات وجلسات التدريب للمسؤولين المعنيين عن إدارة منظمات المجتمع المدني، وكانت مسؤولة أيضاً عن تمويل المحطات التلفزيونية بكل ما تحتاجه لدفع جميع أقطاب الشعب اللبناني للوقوف في وجه حزب الله، لكن الفساد المالي داخل المنظمات والوعي الكبير لجمهور الحزب حال دون حصول ما خطط له، في الوقت الذي ظلت الحال الاقتصادية في لبنان في تدهور مع ارتفاع سعر صرف الدولار وتفاقم أزمة المحروقات وما زاد الطين بلة هو، انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب العام الماضي والذي اعتبر من أضخم الانفجارات التي حصلت في التاريخ محدثاً خراباً ضخماً أصاب العاصمة وعدد كبير من الضحايا، ومنذ اللحظة الأولى من حدوث التفجير أطل خصوم حزب الله على شاشات التلفزة الممولة من قبل السفارة الأمريكية متهمين حزب الله بالضلوع خلف الحادث من دون تقديم أي أدلة تؤكد مزاعمهم العمياء.

في العاشر من المحرم من هذا العام أطل الأمين العام لحزب الله، معلناً انطلاق السفن الايرانية المحملة بالمازوت إلى لبنان، لتشكل هذه الخطوة صفعةً مدوية تلاقاها الأمريكي وعملاءه في لبنان، لتكسر الحصار الأمريكية القائم على لبنان ولو بشكل جزئي، ما أحدث إرباكاً كبيراً داخل الإدارة الأمريكية ظهر من خلال التصريح الذي تلى سريعاً خطاب الأمين العام والذي صدر عن السفيرة "دوروثي شيا" معلنةً سعي حكومتها لجلب الغاز والبنزين إلى لبنان، ليتضح أن سوء التقدير الأمريكي للوضع في لبنان وجهله في ما أصبح قادراً حزب الله على فعله هو الذي أفشل المساعي الأمريكية في عرقلة مسارات الحزب في حلحلة الأزمة اللبنانية.

هذه الخطوة التي بادر إليها حزب الله، وضعت الأمريكي في مأزق كبير فهو خلال سنوات مضت لم يقدم للشعب اللبناني أي مساعدة للنهوض بالوضع الاقتصادي بينما في المقابل وبخطاب واحد استطاع الأمين ضرب عصفورين بحجر واحد، ففي نفس الوقت الذي أظهر لللبنانيين مدى سعيه الدؤوب لكسر الحصار عن لبنان، أظهر أيضاً الفئة التي لا تريد خيراً لهذا البلد، بل هي السبب الأساسي لما وصلنا إليه وعلى رأسهم القوات اللبنانية ورئيسها. لم يستطع الأمريكي حينها الرد بشكل مباشر على استقدام السفن الإيرانية أو منعها من الوصول عبر استهدافها ذلك لأسباب متعلقة بمستقبل الصراع في المنطقة خصوصاً بعد معادلة الردع التي أطلقها الأمين العام لحزب الله بأن السفن الايرانية هي جزء من السيادة اللبنانية وأي مس بها سيقابله رد، وبالتالي فإن الأمريكي اكتفى بالتصريح منتظراً اللحظة المناسبة للرد والتي تمثلت بتسييس القضاء اللبناني في قضية المرفأ والمسؤول عنها بشكل مباشر القاضي طارق بيطار الذي أصدر العديد من القرارات والأحكام التي تشير بشكل واضح إلى اتهام حزب الله بالانفجار الذي حلّ بمرفأ بيروت.

قضية التحقيق في انفجار مرفأ بيروت اليوم واعتراض الحزب على تحركات وقرارات القاضي بيطار، ليست لشخص القاضي كما هو واضح بل لأن الأخير الموكل إليه التحقيق وإصدار أحكام عادلة في هذه القضية، اختار أن أن تكون اتهاماته موجهة نحو فريق واحد وعلى رأسه حزب الله، فبدل من أن يستدعي "القاضي" جميع من تعاقبوا على ملف النيترات منذ جلبه إلى لبنان، يتعمد "بيطار" كف نظره عنهم وتحويل أصابعه الاتهامية نحو حزب الله وحلفاءه خصوصاً حركة أمل.

مسلسل التحريض والاتهامات التي طالت حزب الله لم يتوقف حتى اليوم وكما كان الهدف سابقاً ومازال إلباس حزب الله قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، اليوم يسعى الأمريكي وحلفاءه في لبنان إلباس الحزب ثوب مقتل مئات ضحايا الانفجار وهي خطوة تعد خطرةً جداً مقارنةً بما سبق، وعليه قام الحزب وحركة أمل بتنظيم مظاهرة تطالب القاضي بيطار بالتنحي بسبب الاستنسابية في التحقيق والاتهامات الملفقة من دون تقديم أي دليل يذكر، وبعد توجه المتظاهرين إلى مكان التجمع القائم في منطقة الطيونة، طالتهم يد الغدر القواتية بسلاح القناصة ما أدى إلى سقوط 6 شهداء قنصاً وعشرات الجرحى، ليطل الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله الاثنين الذي تلى الحادث شارحاً تفاصيل ما جرى مشيراً إلى القوات اللبنانية ورئيسها المجرم أنها المسؤول الأول عن ما يجري في لبنان من مشاكل وفتن، ليضيف بأن حزب الله لديه 100 ألف مقاتل ناصحاً إياهم بعدم اللعب على وتر الحرب الأهلية لأنها لا تصب في مصلحتهم.

يبدو أن رئيس القوات اللبنانية أخطأ التقدير كسابقيه وخدع "معلمه" الأمريكي بسوء تقديره وافتعل مسرحية كمين الطيونة ليقدم أدلة على صوابية تقديراته بأنه قادر على مواجهة الحزب، لكنه في المقابل أطلق النار على أناس عزل كانوا يقومون بحقهم الطبيعي وهو التظاهر. مشكلة رئيس القوات أنه عالق في الوهم، ويبدو أنه يبني أمجاداً له في مخيلته ظناً منه أنه قادر على تحقيقها، وإذا ما أكمل بمخططه الشيطاني سيصطدم بالحائط كما حصل مع "معلمه" الأمريكي في المنطقة وسيكتشف مدى الفشل الذي أوقع نفسه ومعلميه فيه، وكما ترك الأمريكيون عملائهم لملاقات مصيرهم إثر انسحابهم من أفغانستان، سيفعلون ذات الشيئ مع عملائهم اللبنانيين.


الكاتب: محمد حمدان