الجمعة 19 تشرين ثاني , 2021

غلاء الدواء: جريمة قتل جماعي

الدواء في لبنان

ما تفعله الدولة اللبنانية اليوم، من فرض للسياسات المالية المجحفة بحق الشعب اللبناني وبالتالي وقف دعم الدواء يعد جريمة نكراء يجب العمل على تصحيحها ومحاسبة القائمين عليها، وإيقافها.

إن ما يحدث هو مسؤولية الجميع وتآمر نظام "أكل الأخضر واليابس" ويخضع البلد إلى سياسات فرضت، منذ بداية تأسيس لبنان وحتى اليوم، من قبل رجل ترعرع في ظل النظام الغربي والبنك الدولي اسمه ميشيل شيحا. وإذا كان البعض يعتقد أن أزمة ومصيبة الدواء تتعلق بجزء من الشعب اللبناني فهو مخطئ ومشتبه، فالجميع مستهدفون. إنه عمل منظومة متكاملة مجرمة وعميلة ونسيت أخلاقها في داخل مَحَافِظِها وتتصرف بلا مبالاة، لأنها مدربة على الحياة بشكل أناني وترى أن الدنيا تبدأ وتنتهي من عندها.

منظومة الإحتكار في لبنان، هي نفسها منظومة الوسطاء، التي ربّاها الإستعمار، "على الغالي"، قديماً وحديثاً، وهي نفسها المنظومة التي تخضع لها قرارات الدولة اللبنانية ولا تستطيع الخروج عنها، تربت أجيال على يديها ولا عجب أن القوانين تحميها، فمن وضعها وكرسها في الأساس لم يكن إلّا رجل مال.

قرأت يوماً: أن الفقير إذا ما اغتنى فإنه يحتاج إلى أربعين يوم ليدرك أنّه قد اغتنى وليبدأ بالتصرف بناء على هذا الأساس؛ ولكن الغني إذا ما افتقر، فإنه بحاجة لأربعين عاماً ليدرك وضعه الجديد. معادلة مخيفة، ولكننا نعيشها كل يوم في لبنان، منذ بدأت السياسات الإقتصادية التي جاءت بها مدرسة الحريري، ومعلمه الأول ميشيل شيحا. والمواطن اللبناني بات اسير وحبيس العنجهية التي كرسها شيحا فيه، وهو الذي اقترح توزيع البذات الغالية على العاملين في مطار بيروت، حتى يظن القادمين، أنّه بلد الأغنياء. وعملية حبس الأموال في المصارف لم يكن همها حماية البلد من الإفلاس، بقدر ما كان همها الحفاظ على مكتسبات أصحاب المنظومات المالية والتجارية، التي غاب عنها الحس الإنساني، ولا يستغرب أن يبدأ حصاد الموت الجماعي في لبنان بسبب غلاء أدوية الأمراض المستعصية.  

غرد رئيس قسم القلب في مركز كليمنصو الطبي، الدكتور إيلي شماس، "اليوم تلقيت عشرات الرسائل من المرضى بيعلموني بانه لن يعود بامكانهم شراء أدويتهم بسبب الاسعار الخيالية، هذه الحالة ستكون نتيجتها أعداد هائلة من الوفيات قد تتخطى عدد وفيات الكورونا. نحن امام كارثة صحية. كيف المسؤلين فيهن يناموا والمريض عم بيموت لانو ما في يشتري الدواء؟" بالتأكيد هم ينامون. لأن المنطق الذي يعمل به السياسيون اللبنانيون ما يزال يتحرك ضمن السياسة التي سنها ميشيل شيحا في لبنان والتي ترفض تقبل الحقيقة، بأن لبنان قد اتسعت فيه طبقة الفقراء.

ولكن هذا لا يعني أن خيار رفع الدعم عن الدواء هو خيار مقدس، والدولة قادرة على لجم حاكم المصرف، بحسب قراءات الخبراء في الدستور والقانون في الدولة وفض الضرائب التصاعدية على الأغنياء. وهنا يجب طرح السؤال، لماذا سحبت وزارة الصحة من يد حزب الله وأعطيت لجهات أخرى؟ وبالتالي فقد تركت مكشوفة لمن يريد التلاعب بصحة الناس. فاليد التي أعطى بها البنك الدولي ثمن لقاحات كورونا للبنان، سيأخذها باليد الأخرى عبر فرض مشاريعه ودفع لبنان نحو بيع ممتلكاته، وعندئذ سيدفع اللبناني بدلاً للخدمات يساوي ما يدفعه المواطن الأوروبي والأميركي، والتي تتراوح ما بين 300-600 دولار أميركي شهرياً، بحسب ما يقوله المغتربون اللبنانيون في أوروبا والولايات المتحدة. في وقت يبلغ متوسط الدخل في أمريكا وأوروبا الغربية إلى ما بين 2000 دولار أميركي وحتى 14500 دولار اميركي، وبات متوسط دخل اللبناني 100-200 دولار أميركي.  

الدكتور فواز طرابلسي، في كتابه الذي وضعه في العام 1999، "صلات بلا وصل: ميشيل شيحا"، يشرح فيه كيف أسس ابن المؤسسة البنكية ميشيل شيحا وساهم في وضع القوانين المتعلقة بالمنظومة المالية اللبنانية، اذ طالب شيحا بأن يرتكز لبنان على التجارة ومحاربة الصناعة لأن لبنان في الأساس هو بلد زراعي. وفي هذا الإطار يرفض شيحا فرض الضرائب على التجارة، باعتبارها عاملاً معطلاً لها. شيحا، كان مساهماً في كبريات الشركات الفرنسية، وكان مدعوماً من سلطات الإنتداب في تلك المرحلة. وما يزال لبنان حتى اليوم يعيش ضمن هذه المفاهيم التي رسمها الفرنسي والإنكليزي، وبموجب ما أسس له شيحا الثري الكبير، يتم اليوم التعاطي مع التجارة وتجارة الدواء في لبنان.

نستذكر شيحا اليوم، لأن الكلام عنه يجعلنا نلقي النظرة الحقيقية على واقعنا التعيس، والذي ينكر فيه على اللبنانيين حق المساواة، "لأنها غير موجودة إلا في الجنة"، بحسب مؤسس الكتائب اللبنانية بيير الجميل في مجلس النواب في العام 1963. وهذا الكلام يعبر عن قلب المؤسسة الحاكمة في لبنان. ويلفت طرابلسي، إلى أن اقتصاد بطريرك الإقتصاد الحر الليبرالي، أي شيحا: "ليس يكتفي برفض أي دور للدولة في التوزيع الإجتماعي، وإنما يعتبر موازنة الدولة يجب أن تكون في خدمة الأغنياء و[هذا] له تفسير مبتكر للنظام الضريبي"، والذي يجب ان يكون بحسب شيحا: "موازنة سديدة... موازنة كفيلة بتسيير الحياة لأولئك الذين يمولونها، ويضطرون من أجل تمويلها إلى المضي في بهلوانيات مستبعدة التصديق"، كلام طرابلسي جاء في كتابه "الطبقات الإجتماعية والسلطة السياسية في لبنان"، مع أن الضرائب [المتصاعدة] على الدخل "هو ما تفرضه الدول الغربية من أجل إيجاد نوع من العدالة الإجتماعية في دولها"، كما جاء في اعتراض ريمون اده على ما قاله الجميل.

في العام 2001، أقامت جريدة النهار ندوة صحافية حول من يحكم لبنان. جاء في تقدير عدد من المتحاورين ومنهم سمير فرنجية، الذي قال: "أن سوريا هي من يحكم لبنان". فكان تمايز كريم مروة، حين قال إن الذي يحكم لبنان هو قوى خفيه في الخارج، فيما قال عاصم سلام، الذي لم يحاجج في مسألة وجود التحكم السوري، لكنه: "شذ عن التوافق"، وأشار الى أن "أقوى القوى المتحكمة بلبنان هي قوة المال". وفي الحقيقة أن قوة المال في لبنان، هي القوة الخفية الحقيقة التي تحكم النظام اللبناني، وعندما عارضت الهيئات الإقتصادية رفع الأجور والرواتب في العام نفسه، صرح رئيس جمعيات تجار بيروت نقولا شماس آنذاك، "نحن نطاع ولا نطيع".

هذا الكلام ينطبق على الدولة التي يراد من وزارة الشؤون الإجتماعية فيها: التحول إلى جمعية خيرية بدلاً عن كونها معالج حقيقي للأزمات الإجتماعية، واستدراج المساعدات الخارجية من أجل تسليم المجتمع المدني مهمة تقديم الخدمات الإجتماعية بدلاً من سن القوانين التي تضمن الضمان الإجتماعي. ولذا فهي تعتمد على البرامج المعلبة القادمة من الغرب، والتي تعمل على فصل الطبقات الفقيرة والإيغال في عزلها. الفقر، الذي كان يرفض ميشيل شيحا الإعتراف بوجوده، ويدعو إلى عرض لبناني فيه الكثير من التكاذب، عرض ينفي الفروق المجتمعية ويجعل اللبنايين يعيشون كذبة الإستيدان والتفاخر من أجل إثبات أن الجميع هم من الأغنياء. سياسة التكاذب هذه هي الداعم الأساس للتجارة الحرة وللسياسات الإقتصادية الفاشلة القائمة على تراكم الدين والتي تسببت بالتضخم المالي، حتى استفحل الأمر، واليوم وصلنا إلى مكان لم نعد نستطيع فيه التمكن من شراء الدواء. فهل المطلوب القتل الجماعي للفقراء؟!


الكاتب: عبير بسّام