الثلاثاء 14 كانون الاول , 2021

الانكفاء الأمريكي...مستقبل علاقات دول الخليج الى أين؟

مع اقتراب الموعد الذي حدّدته واشنطن لسحب قواتها من العراق (نهاية السنة الحالية)، كما ادعاءاتها انكفاءً عن منطقة غرب آسيا – ولو ظاهريّاً – تُطرح تساؤلات ومخاوف الدول الخليجية جديّة حول مستقبل علاقاتهم مع الولايات المتحدّة التي ينظرون إليها انها تشكّل جزءً مهماً من "الحفاظ على أمنهم" بالإضافة الى مستقبل علاقاتهم مع الدول الآخرى إقليميا ودولياً.   

وفي هذا السياق، مقال للخبير في شؤون المنطقة، فرهاد وفایي‌ فرد، في مركز " تبیین للدراسات الإستراتيجية"، يقول فيه ان " تعزيز التعاون مع دول مثل الصين والهند وروسيا سيأخذ منحىً تصاعدياً"، ويضيف ان "سياسة الإدارة الأمريكية للحد من التدخل في البنية الأمنية لبعض المناطق، بإمكانها أن تخلق فرصة لطهران، التي تطالب بالتعاون الإقليمي دون تدخل الجهات الفاعلة عبر الإقليمية، منذ فترة طويلة".

المقال المترجم:

هذا النهج الذي يقع بين السياستين الانعزالية والتدخل المباشر، يسمح للولايات المتحدة مع ترشيد الإنفاق الدفاعي، ومكافحة الإرهاب، والتواجد العسكري الأجنبي؛ مثل الحرب في أفغانستان، بإنفاق المزيد من الأموال على القضايا الداخلية، والتركيز على أولويات السياسة الخارجية العاجلة. مع أن أمريكا باستخدامها هذا النهج، تسعى إلى منع ظهور الهيمنة الإقليمية، لكنها تعترف بدوافع وقدرات الجهات الفاعلة الإقليمية وحلفائها لتحقيق التوازن.

الولايات المتحدة واستمرار الأمن في منطقة الخليج؛ الاستمرارية أو التمزق:

هذه الدول بعد سنوات من تشكيلها، قامت بشراء الأمن من خارج المنطقة، وخاصة الولايات المتحدة. ويوجد حالياً نحو 38 ألف جندي أمريكي، في قواعد السعودية والكويت والإمارات وقطر والبحرين. ووفقًا للإحصاءات، بين عامي 2016 و2020، كانت المملكة العربية السعودية أكبر مشتر للأسلحة الأمريكية، حيث استحوذت على 24٪ من إجمالي مبيعات الأسلحة الأمريكية. بشكل عام، زودت الولايات المتحدة 79 في المائة من أسلحة المملكة العربية السعودية خلال هذه الفترة.

وجدير بالذكر، أن المملكة العربية السعودية في عام 2020، مع إنفاقها 57.5 مليار دولار أصحبت سادس أكبر دولة في العالم من حيث الإنفاق العسكري.  كما كانت واردات الأسلحة من دول الشرق الأوسط في الأعوام 2016 إلى 2020 أعلى بنحو 25 في المائة مما كانت عليه في الأعوام 2011-2016، وكانت ثلاث دول وهي: المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، موجودة في منطقة الخليج من بين أكبر 10 مستوردين للأسلحة في العالم، في السنوات الأربع التي سبقت عام 2020

في حين زادت واردات قطر من الأسلحة بنسبة 361٪ في الأعوام 2016-2020، مقارنة بالسنوات الخمس التي سبقتها. وفي المحصلة، يمثل الإنفاق العسكري في الخليج الفارسي جزءًا كبيرًا من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، حيث يشمل معظمها عمان والمملكة العربية السعودية والكويت بنسبة 11 و8.4 و6.5 في المائة على التوالي.

لذلك، فإن الاعتماد التسليحي والأمني لدول الخليج على الولايات المتحدة ليست مسألة سرية، ولهذا السبب فإن أي ظهور أو سلوك متناقض أو مختلف من جانب واشنطن، قد يثير قلق الدول العربية في منطقة الخليج الفارسي. يرجع ظهور هذا السلوك، بالطبع، أحيانًا إلى السياسات الغامضة للولايات المتحدة، وأحيانًا أخرى في تصور وتفسيرات والدول العربية. لأن تصور الفاعلين الإقليميين لسياسة الولايات المتحدة بوصفها قوة عالمية وأهم لاعب عبر الإقليمي، يحظى بأهمية كبيرة.  على الرغم من أن تصورات دول منطقة الخليج الفارسي للسياسات الإقليمية للولايات المتحدة آخذة بالظهور، إلا أن هناك مؤشرات تدل على الشكوك بشأن الالتزامات الأمنية للولايات المتحدة تجاه حلفائها العرب.

بعبارة أخرى، بعد عدم رغبة الولايات المتحدة للدخول بشكل أكثر جدية في الحرب اليمنية، وكذلك وجود بعض التعديلات على تموضع ونشر القوات والمعدات الأمريكية في دول منطقة الخليج، مثل العراق والأردن وسوريا، فأعضاء مجلس التعاون يعتقدون أنه مع تزايد تركيز السياسة الخارجية الأمريكية على تحولات منطقة غرب آسيا، ورغبة هذه الدول بتخفيض التدخلات في تحولات منطقة غرب آسيا، قد يخلق فراغاً كبيراً في المنطقة، مما يؤدي -كحد أقصى- الى عدم ضمان واشنطن لأمن منطقة دول الخليج.

في مثل هذا الوضع، ترى الدول العربية أن إقامة أو تعزيز العلاقات مع الجهات الفاعلة عبر الدول الإقليمية، تعد أداة حل لاستبدال الضغط الناشئ عن تقليص الالتزامات الأمنية الأمريكية. لهذا السبب، فإن لدى أعضاء مجلس التعاون رؤية أكثر استراتيجية بالنسبة إلى العلاقات مع الصين وروسيا وإسرائيل وحتى تركيا، وهو اتجاه يمكن رؤيته في السنوات الأخيرة.

وتجدر الإشارة إلى أن تحول النظام العالمي، يسير في اتجاه أصبحت فيه مواقف العديد من دول ومناطق العالم، تجاه الولايات المتحدة مختلفة مقارنة بالماضي، ويرجع هذا الأمر -إلى حد كبير- إلى نهوض الصيني والنشاط الأمريكي. في حين منطقة غرب آسيا لم تكن مستثناة عن ذلك، وربما بسبب مكانة أميركا الفريدة، أصبح لديها غموض استراتيجي حول مستقبل لعب الدور الأمريكي أكثر من أي منطقة أخرى. ومن بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي، تواجه السعودية مثل هذه الصعوبات أكثر من أي دولة أخرى.

على الرغم من أن تصريحات وزير الخارجية الأمريكية؛ بأن على الولايات المتحدة أن تعمل مع "محمد بن سلمان" لعقود من الزمن، قد تزيل بعض مخاوف ولي العهد السعودي الشاب بشأن دعم بايدن "لمحمد بن نايف "بوصفه الملك الجديد للمملكة السعودية، إلا أن نشر التقرير الخاص باغتيال الصحفي السعودي الخاشقجي، وإصرار واشنطن على ضرورة إنهاء الحرب اليمنية زاد من حالة عدم اليقين لدى المملكة العربية السعودية.

كما أن إعلان الولايات المتحدة انسحاب قواتها من العراق بحلول نهاية عام 2021، زاد من الشكوك السعودية مما سيؤدي إلى تنويعها لمشتريات الأسلحة. وقد اشتدت حدة هذا الموضوع خاصة بعد أنباء عن خروج أنظمة "باتريوت "و"تود" من السعودية. وبحسب بعض التقارير، اتخذت الرياض، بالتعاون مع بكين، خطوات لبناء منشأة لإنتاج الكعك الأصفر في منطقة "العلاء" شمال غرب المملكة العربية السعودية. بالنظر إلى أن قضية عدم انتشار السلاح النووي، تعد من أولويات سياسة الصين في منطقة غرب آسيا، فمن المرجح أن تنتهج الصين من خلال التعاون مع دول مثل قطر والإمارات، سياسة عدم انتشار السلاح النووي في استغلال الطاقة النووية.

ومع ذلك، ستبقى الولايات المتحدة، على الأقل أو على المدى المتوسط، المزود الرئيسي لأمن دول جنوبي ضفاف الخليج الفارسي. لكن عملية تنويع العلاقات الأمنية لأعضاء مجلس التعاون سيكون لها منحى تصاعديًا.

بالطبع، بعض التحليلات لا تبدو دقيقة حيث ترى أن سياسة الولايات المتحدة، هي الخروج من منطقة غرب آسيا لأن أميركا تسعى في بعض البلدان، مثل العراق، إلى إعادة تعريف مهامها. وفي منطقة الدول الجنوبية من الخليج الفارسي، يبدو أنه لن يكون هناك على المدى المتوسط ​​قطيعة جذرية بشأن تواجد وتأثير الولايات المتحدة الأمريكية.

ومع ذلك، فإن تعزيز التعاون مع دول مثل الصين والهند وروسيا سيأخذ منحىً تصاعدياً. وبالتالي، ستبقى الولايات المتحدة لاعباً رئيسياً في النظام المستقبلي للخليج، لكن مكانة ودور القوى الآسيوية الناشئة سيزداد.

في الواقع، إن الوضع الجديد لإيران يتضمن فرصًا وتحديات. وإن تقليص تدخل الولايات المتحدة ومشاركتها في مسارات الخليج، يمكنه أن يوفر فرصًا جديدة لطهران للتعاون مع العواصم العربية، وبشكل عام سيقلل من ميزان القوى الذي كان يضر إيران لسنوات، وأن سياسة الإدارة الأمريكية للحد من التدخل في البنية الأمنية لبعض المناطق، بإمكانها أن تخلق فرصة لطهران، التي تطالب بالتعاون الإقليمي دون تدخل الجهات الفاعلة عبر الإقليمية، منذ فترة طويلة.

من جانب آخر، تختلف نظرة اللاعبين المؤثرين حديثي الظهور في منطقة الخليج، مثل الصين والهند وروسيا، عن نظرة الولايات المتحدة لإيران والتي لا تكن لها العداوة، وتعتبرها جزءًا من المشكلة، ولكنها كجزء من الحل.

يبدو أنه مع تقليص التدخل الأمريكي، وتزايد نفوذ اللاعبين مثل الصين وروسيا، فإن حل المعضلة الأمنية في المناطق المحيطة لإيران، بما ذلك الخليج، بالضرورة لن تحل بسهولة. كما لا ينبغي تجاهل احتمال تحقيق سيناريو تتوصل فيه القوى الكبرى، إلى اتفاقيات لتحديد نقاط النفوذ في بعض المناطق، بما في ذلك غرب آسيا والخليج. 


المصدر: مركز " تبیین للدراسات الإستراتيجية"

الكاتب: فرهاد وفایي‌ فرد