السبت 19 شباط , 2022

أزمة أوكرانيا تكشف: أمريكا لم تعد كما كانت

جنود أميركيون

كثير من الكلام قيل عن الأزمة في اوكرانيا حيث تخرج يوميا مئات التصريحات الاوربية والأمريكية وقد حددت بعض البلدان تواريخ للغزو الروسي لأوكرانيا، فيما الصحافة العالمية تتحرك الان على توقيت الساعة الاوكرانية، كما أن لوثة اوكرانيا اصابت الشعوب الاوربية بشكل كبير وظهر نوع جديد من الدبلوماسية هو دبلوماسية الطاولات_طريقة استقبال بوتين للرئيس الفرنسي والمستشار الالماني واستقباله بعدهما للرئيس البرازيلي، ولكن وحده المستشار الالماني أولاف شولتس من أصاب جوهر موضوع الأزمة الاوكرانية بعبارة مختصرة اليوم حين قال "من الواضح أن الولايات المتحدة ستبقى مركز ثقل في عالم متعدد الأقطاب".

هذه العبارة التي تبدو للوهلة الاولى انها عادية الا انها جوهر كل ما يحدث، لأنها تعني انه حتى في العقل الاوروبي الخاضع لأمريكا فقد اصبح الكلام جديا عن عالم متعدد الاقطاب، وما كان قطبا اوحدا في العالم فقد تحول مركز ثقل في عالم متعدد الاقطاب"فكريا على الاقل".

ما غاب عن المستشار الالماني ان السبب الاساسي لانسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوروبي كانت القراءة الاستشرافية البريطانية لمراكز الثقل في العالم، وان الثقل الاوروبي في عالم متعدد الاقطاب لم يعد ثقلا نوعياً، وأن الثقل الحقيقي الوازن هو التحالف عبر الاطلسي، كما ان السياسة البريطانية كانت قد شكلت فهما مبكرا لاعادة التموضع الاستراتيجي للولايات المتحدة والانزياح الحاصل في مراكز القوة الدولية، اضافة الى ذلك، ان التعمق بقراءة الازمة الاوكرانية تحيل الى فهم حقيقي للشراسة الامريكية في التعامل مع أحداثها، فالولايات المتحدة وسياسيوها يدركون أن الازمة الاوكرانية هي أزمة لتثبيت شكل العالم وحجم القوى فيه، وتعمل واشنطن لوقف تحول العالم من عالم آحادي القطب الى عالم متعدد الاقطاب، وتدرك مراكز القوى في الولايات المتحدة ان الصين في هذه الأزمة تقف الى جانب روسيا، وأن نجاح روسيا في ارساء معادلة ردع جديدة في اوروبا سيكون فاتحة جديدة للصين في إرساء معادلة ردع في آسيا، وستكون تايوان محور التحرك الصيني القادم.

ان مراكز القوى الامريكية تدرك أيضاً ان أمريكا ما بعد فشل استراتيجيتها في العراق وافغانستان لم تعد نفسها، وهذا الفشل ليس على مستوى المدى الحيوي وحده، وانما يتعداها الى موضوعة السيطرة على الطاقة، والتي تشكل عصب الحياة في العالم، والسيطرة على الطاقة في العالم الحديث ليست مجرد سيطرة على المنابع، وانما حماية خطوط الامداد، حيث أنطلقت من نقطة الفشل الامريكية ذاتها استراتيجية روسيا حول نقل الطاقة المتمثلة بالسيل الشمالي والسيل الجنوبي، والمنافسة مع الغاز القادم من منطقة الخليج (قطر تحديدا )، ومنطقة شمال افريقيا وما نتج عن ذلك من تأثيرات على سوريا التي تقع في قلب معادلات الطاقة لاسيما بعد الاكتشافات الاخيرة للنفط في شرق المتوسط.
 
من هنا يبدو مفهوما لماذا كان اللقاء بين وزيري الخارجية الأمريكي والقطري قبل يومين وحديثهما حول الازمة الاوكرانية، وتصنيف الولايات المتحدة لقطر ضمن الحلفاء الاستراتيجيين، وتعزيز مكانتها اقليميا ودوليا، كونها في قلب معادلة الطاقة وخطوطها ومخزونها ولا سيما منها الغاز الذي يشكل أحد أسس الصراع بين القوى الوازنة في العالم.
 
ويلاحظ أن معادلات الطاقة الجديدة تتلاءم مع المبادرة الصينية "الحزام والطريق" والتي تشكل أيضا قراءة مختلفة للعلاقات الاقتصادية الدولية مغايرة للواقع الحالي، وتخدم عالماّ متعدد الاقطاب، بما يفرضه ذلك من تغير في العلاقات السياسية والتحالفات على مستوى العالم، وتبقى نقطة أخيرة رغم انها تبدو بعيدة عن قلب الحدث الأوكراني إلا انها في صميمه، وهي تتعلق بالاتفاق النووي الايراني، لان طريقة تعاطي الولايات المتحدة مع الاتفاق ستقدم معطيات عن شكل العالم وقلبه ومكانته في المدى الحيوي للقوى العالمية الرئيسية، فإما ان تكون عامل تفجير غير قابل للضبط بين القوى العالمية وحلفائها الاقليميين، او تكون امام مستوى من التوازن ينعكس على علاقات القوى العالمية،ويرسي شكلا جديدا للعلاقات الدولية.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع


الكاتب: يوسف غانم




روزنامة المحور