الجمعة 01 تموز , 2022

ترسيم الحدود البحرية: الأهمية والتحديات

ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة

تنظر القارة الأوروبية بعين الاهتمام الى الشرق الأوسط لسدّ حاجاتها من الغاز بعد أن وضعتها الولايات المتحدة أمام أزمة جديّة تنذر بخريف جليدي جراء العقوبات المفروضة على روسيا. وفيما يطمع الكيان المؤقت أن يكون قطب الغاز البديل في المنطقة مع توقيع اتفاقية منتدى الغاز في القاهرة، تأتي أهمية تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان في البحر المتوسط كي يحجز البلد حيّزاً خاصاً له في مسألة التصدير تعود عليه بإيرادات تحسّن من الوضع المالي والاقتصادي.

بغض النّظر عن الإجراءات اللوجستية والتقنية التي تحتاجها عملية التنقيب والوقت الطويل المقدّر بالسنوات لاستخراج الغاز من الحقول، فإن ترسيم الحدود البحرية وتحديد الثروة الغازية والنفطية للبنان يشكّل ورقة قوية بيد الدولة اللبنانية لفرض نفسها في المنطقة. خاصة وأن تحديد حجم هذه الثروة يعيد الثقة الائتمانية الدولية الى البلد بعد أن تراجعت بنسبة ملحوظة جداً في السنوات الأخيرة مع "انهيار" قطاع المصارف (الركيزة العميقة والأساسية للبنان) وتراجع توافد الأموال الأجنبية بعد عدم ثبات سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار.  

لكنّ تحديات من الداخل اللبناني قد تعرقل الطريق أمام الترسيم، حيث تبرز مكامن الضعف في الخطاب التفاوضي لدى لبنان الرسمي. فاعتبار الأطراف الرسمية اللبنانية المعنية في قرارات الترسيم أن "الخط 29" تفاوضي منذ البداية وفقاً لبديهيات "فن التفاوض" الذي يفرض مبدأ الأسقف العالية للحصول على هامش مريح لبعض التنازلات التي لا تمسّ بالحقوق، يعتبر تنازلاً لبنانياً مسبقاً عن الخط ويسمح لكيان الاحتلال بطرح التفاوض على "الخط 23". والدليل على ذلك اختلاق رئيس الموفد الأمريكي المفاوض آموس هوكشتاين لخط متعرّج – خلافاً لكل أصول الهندسة والترسيم – يجتزئ مساحة من الخط الأخير.

فيما أوضحت أوساط قانونية مطّلعة على مسألة ترسيم الحدود البحرية، أن لبنان يملك ملفاً قانونياً قوياً يحفظ حقوقه. وقد بذل الجيش اللبناني ولجانه المتابعة في هذا الإطار جهوداً جبّارة يمكن البناء عليها لتحصيل منطقة اقتصادية خالصة تنصف البلد بعيداً عن السطو الإسرائيلي. واعترف هوكشتيان في مقابلته مع قناة "الحرّة" بقوة الملف القانوني اللبناني حيث قال "الحل الناجح (للتوصل الى الترسيم) يقضي بالإقلاع عن التفكير هل أملك أفضل قضية قانونية، هل أريد أن أكون انا المحق...قد لا أحصل على كلّ ما أردته، لذا بدل التركيز على ما هو حق لي يجب أن يكون التركيز حول الأفكار الخلّاقة التي يمكن ان نتفق عليها".

من ناحية ثانية، يحوّل هذا التصريح مسألة تحديد المنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة من الإطار القانوني الى ترسيم سياسي يخضع للضغوط والابتزازات الأمريكية. وهو فعلياً ما أراده الكيان الإسرائيلي من رفضه أن تتولى الأمم المتحدة الوساطة (حسب الأوساط الخبيرة) وتنصيب الولايات المتحدة التي ليست سوى طرف منحاز لصالح الكيان.

 سنوات من المراوغة في ملف الترسيم ضيّعت على البلد الكثير من الثروات، ويستمر سيناريو المماطلة الذي "يكسب" الاحتلال الوقت، وهو اليوم عند حافة استخراج الغاز من "كاريش" وسط تهديدات المقاومة. فهل تستجيب الدولة اللبنانية لنداء الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله "ترف الوقت ليس معنا" (أولاً قد تفرغ هذه الحقول لا يبقى للبنان سوى الفتات، وثانياً إن الوضع الاقتصادي في تدهور مستمر)، وتأخذ قرارً جريئاً وحاسماً بحفظ هذه الثروة؟ 


الكاتب: غرفة التحرير