الثلاثاء 13 أيلول , 2022

زيارة هنية لروسيا: الغاز والعلاقة البينية وملفات اخرى

هنية ولافروف

 

بدعوة رسمية من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وفد قيادي من حركة حماس برئاسة السيد إسماعيل هنية في زيارة لموسكو، تأتي الزيارة لبحث مستجدات القضية الفلسطينية والعلاقات الثنائية والتحولات الإقليمية والدولية، لم تكن هذه الزيارة الأولى لهنية أو لقيادة الحركة لموسكو فقد سبقتها زيارة عام 2020م، إلا أنها الأهم في هذه المرحلة الحساسة في المشهد الدولي، وطبيعة الاصطفافات الإقليمية والدولية والتي تحاول حماس أن تحدث اختراقاً في ملف علاقاتها في المساحات المختلفة. فالأزمة الروسية الأوكرانية، لعبت دوراً بالغاً في التأثير على المشهد الإقليمي والدولي خاصة فيما يتعلق بموارد الطاقة وخطوط إمداد الغاز، لا سيما دور (إسرائيل) حيال هذا الملف، حيث شكلت هذه الورقة نقطة تحدي حقيقي للاتحاد الأوروبي، بعدما فرضت مجموعة من العقوبات على روسيا بتوجيه من الولايات المتحدة الأمريكية، في ظل محاولة احتواء المشهد أمام روسيا وتضيق مساحاتها وإدخالها في مرحلة استنزاف حقيقية، ضمن تقويض حدود القوة لها، أمام هذا التحول في بنية النظام الدولي وطبيعة التحالفات بين القوى.

فلم تكن تلك التحولات بعيدة عن المشهد الفلسطيني، خاصة في ظل الموقف (الإسرائيلي) من الحرب التي حاولت في البداية إظهار موقف أكثر حياداً، لكن هذه المرحلة لم تستمر طويلاً وبات واضحاً الانحياز (الإسرائيلي) للمعسكر التقليدي. وبعيداً عن الاصطفافات بمعنى المواقف، لكن على مستوي السياسات هناك تحول فعلي على الأرض يتعلق بمساهمة الكيان المؤقت بتأمين إمدادات الطاقة لأوروبا، التي أعلنت الأخيرة عن استعدادها تعديل المخاطر الناتجة عن إغلاق روسيا لخط نورد ستريم 1، الذي يمد دول الاتحاد الأوربي بالغاز، وهو ما يقوض ورقة القوة التي تتحرك فيها روسيا لتحقيق انتصار في الحفاظ على المجال الحيوي لها بالسيطرة على مراكز القوة في أوكرانيا، مما يجعلها غير قادرة على مواجهة التحديات، وهذا ما تلعب فيه (إسرائيل) بشكل فاعل.

وأمام هذه المعطيات، وفي إطار رغبة واضحة ومستمرة من حركة حماس لأخذ موقع أكبر في طبيعة تحركاتها وعلاقاتها الإقليمية والدولية، خاصة في ظل تقويض مساحاتها من قبل (إسرائيل) والقوى الداعمة لها، وهو ما يمثل موقف ذات فاعلية روسية بالتفاعل مع قضية فلسطين بشكل أساسي في إطار الضغط على الاحتلال خاصة في سلوكه ومواقفه السلبية تجاه روسيا لا سيما في ملف الغاز، حيث ترى حماس أن التحولات في النظام الدولي تضعف النفوذ (الإسرائيلي) حين تضعف قوة وهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية، ويحكم النظام الدولي أكثر من فاعل، وهو ما يمثل رؤية تؤيدها حماس في تفاعلها مع روسيا التي ترفع شعار العالم أكثر من واحد، وفي خضم هذه الدعوة الرسيمة للسيد إسماعيل هنية، فإن الزيارة تشكل محطة فارقة ومهمة في طبيعة العلاقة البينية بين موسكو وحركة حماس المستقبلية، وهي ما تجعل الأيام القادمة تحمل فاعلية أعلى في طبيعة الملفات الحساسة التي يمكن أن يكون لها أثر واضح تسمح به حماس في بناء قوة فعلية ومؤثرة في المشهد الإقليمي والدولي.

أوراق القوة التي تتمتع بها حماس في علاقتها مع روسيا:

- حماس فاعل ما دون الدولة، تمثل ركيزة قوة فلسطينية في قيادة المشروع الوطني، أعطتها معركة سيف القدس شرعية أكبر في تمثيلها السياسي، وتأثيرها الإقليمي، خاصة أنها أثبتت امتلاكها قرار السلم والحرب بشكل فعلي مع قوى المقاومة الفلسطينية، لا سيما  بعد تحرك ساحات الفعل الفلسطيني إبان المعركة بشكل مؤثر وفاعل، والتي شكلت خطراً حقيقياً على الاحتلال أقرب لأن يكون تهديداً وجودياً في المستقبل إذا ما تفاعلت معه عوامل أخرى مرتبطة بوحدة الجبهات، أو المعركة من أكثر من اتجاه.

- في ظل تواجد حماس في محور القدس، والتي تمثل الجمهورية الإسلامية الإيرانية الحليفة لروسيا، ركيزة أساسية ومحورية، وهو ما يتجه نحو فرص التكتلات الفعلية الإقليمية والدولية في اختراق مساحات ونفوذ النظام الدولي التي كانت تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية، يجعل فاعلية تطويق حدود ومساحات التحرك ناجعة ومؤثرة، فعلى طول هذا الخط في التموضع في المحور الشرقي الذي ما زال يتشكل وفي مرحلة التطور، بتحوله من حالة هُلامية إلي حالة أكثر تنسيقية في فهم التحديات المشتركة بين القوى، وهنا لا نقول أنه تحالف هيكلي، بقدر اشتراك تحديات بين القوى يزيد من فرص وقدرة حماس للعب مساحات أكبر.

- تشكل الجغرافيا الفلسطينية لا سيما في مساحة القوة التي تتمتع فيها حماس في قطاع غزة بالتأثير على خطوط إمداد الغاز لأوروبا لأن تكون أكثر فاعلية بالنسبة لروسيا، في ظل مرحلة تعمل (إسرائيل) بأن تكون بديل للطاقة لأوروبا ولو بنسبة محدودة تؤمن حد أدني من احتياجاتها، وهو ما تنظر له روسيا بعين الريبة، والتي من الممكن أن تساهم حماس بأن تكون مؤثر في هذه المساحة من الصراع.

- الحضور السياسي والإقليمي لحركة حماس في العالم العربي والإسلامي، وأثره على التحشيد لموقف أعلى مع روسيا وتوجهاتها، فقد أثبتت الحرب الروسية الأوكرانية أهمية وفاعلية الحرب على الرواية أو الصورة في التحشيد والدعم لموقف القوى، وقد شاهدنا ازدواجية المعايير التي عمل عليها الغرب في طبيعة الصورة الضمنية التي دعمت أوكرانيا، واعتبرت العملية العسكرية الروسية احتلال، وهو ما أثار حفيظة الفلسطينيين من المكيال الدولي تحديداً الغربي، من التعاطي مع القضايا.

إلي هنا، تبقي التشابكات الإقليمية والدولية محطة جديدة تفرض فراغات بحاجة لملئها من القوى، ولو بالمساهمات البسيطة التي تؤثر في المشهد لكسب واستثمار الفرص نحو تحقيق فاعلية أعلى في إطار تلك التحولات، وحماس في هذه المرحلة بات واضحاً القدرة التي تتمتع فيها في استثمار الفرص خاصة في ظل تعقيدات المشهد الفلسطيني وموجات التطبيع المستمرة التي تحاول (إسرائيل) فرض هيمنتها في المنطقة بضوء أخضر من الولايات المتحدة الأمريكية في إطار إصلاح أعطاب الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وكذلك في مراكز ثقل الموانئ الممتدة من الشرق الأوسط وصولاً لآسيا الوسطى.


المصدر: باحث فلسطيني

الكاتب: خالد هنية