في عالم السياسة، هناك قواعد غير مكتوبة، لكنّها معروفة للجميع. من هذه القواعد أن من يُشعل الحريق لا يُؤتمن على إطفائه، ومن صنع المأساة لا يمكن أن يكون مخلصًا لمن عانى منها. ومع ذلك، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يُصرّ على أنه سيعمل على “حل أزمة غزة المستمرة منذ عقود”، متناسياً – أو متجاهلاً – أن بلاده هي الشريك الأساسي في صنع هذه الأزمة وإدامتها.
كيف يمكن لواشنطن، التي قدمت الدعم العسكري والمالي غير المشروط "لإسرائيل" لعقود، أن تدّعي الآن أنها تسعى لإيجاد حل؟ وكيف يمكن لرئيس وزراء "إسرائيلي"، جعل من الحرب والتدمير والتهجير سياسة رسمية، أن يُقدَّم كجزء من الحل وليس أصل المشكلة؟
من خلق الأزمة؟
غزة لم تكن مشكلة “مستمرة منذ عقود” بفعل الطبيعة أو الجغرافيا، بل كانت نتيجة مباشرة لمشروع استعماري استيطاني مدعوم من القوى العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة. عندما يتحدث ترامب عن غزة وكأنها مشكلة معزولة، منفصلة عن السياسات الأميركية و"الإسرائيلية"، فهو يحاول إعادة صياغة التاريخ، بحيث يبدو وكأن هذه الأزمة نشأت بشكل ذاتي، لا كجزء من مخطط أوسع هدفه السيطرة على الأرض وإخضاع السكان.
إن أي محاولة لحل أزمة غزة لا تبدأ بالاعتراف بمسؤولية الولايات المتحدة و"إسرائيل" عن الوضع الحالي، ليست سوى مسرحية سياسية تهدف إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها، لكن بوجوه جديدة وسرديات مختلفة.
التفاوض تحت القصف.. إعادة إنتاج الخديعة
ما نشهده الآن ليس محاولة جادة لحل الأزمة، بل إعادة لتكتيك قديم: التفاوض تحت القصف. "إسرائيل" تصعد من عملياتها العسكرية، وتقتل وتدمر بلا هوادة، بينما يُطرح في واشنطن حديثٌ عن “مساعٍ للحل”. هذه ليست إستراتيجية جديدة، بل تكتيك مجرّب، يقوم على خلق كارثة إنسانية، ثم استخدام هذه الكارثة كورقة ضغط لإجبار الطرف الأضعف على القبول بشروط الإذعان.
لكن السؤال الأهم هنا: هل الأزمة الحقيقية هي أزمة “رهائن” محتجزين في غزة، أم أنها أزمة احتلال واستعمار؟ عندما يختزل ترامب الصراع في قضية الرهائن، فإنه يُعيد إنتاج الدعاية الإسرائيلية، التي تحوّل الضحية إلى الجلاد، والمعتدي إلى صاحب قضية مشروعة. إن الحديث عن الرهائن في ظلّ وجود شعب بأكمله محتجز في سجن مفتوح منذ عقود، هو قمة النفاق السياسي.
التطهير العرقي كجزء من الحل؟
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، و"إسرائيل" تنفذ إبادة جماعية في غزة، مدعومة بغطاء أميركي كامل. ليس مجرد دعم سياسي، بل سلاح وقنابل وتكنولوجيا مراقبة وأموال. وكل هذا يتم تحت ذريعة “الدفاع عن النفس”، رغم أن من يقتل يوميًا هم المدنيون، ومعظمهم من النساء والأطفال.
نتنياهو لم يُخفِ نواياه، فقد أعلن بشكل صريح أن هدفه ليس فقط تدمير المقاومة، بل تهجير سكان غزة، وخلق واقع جديد على الأرض. وهذا ليس مشروعًا شخصيًا له وحده، بل هو جزء من خطة أوسع، يتبناها التيار اليميني المتطرف في "إسرائيل"، والتي ترى في التهجير القسري الحلّ النهائي لما تسميه “المشكلة الديموغرافية”.
السؤال هنا: كيف يمكن لمن يُنفّذ الإبادة الجماعية، أن يُقدّم نفسه كصانع سلام؟ وكيف يمكن لمن يحاصر ويجوّع ويقتل، أن يدّعي أنه يسعى إلى حلّ إنساني؟
واشنطن.. شريك في الجريمة
إذا كان نتنياهو هو من يقود الحرب على الأرض، فإن واشنطن هي من توفر له الغطاء، ليس فقط عبر السلاح والتمويل، ولكن عبر خلق سردية تبرّر كل ما يحدث.
الإعلام الغربي يُعيد صياغة المشهد بحيث تبدو "إسرائيل" وكأنها تخوض “حربًا دفاعية”، بينما الفلسطينيون مجرد أدوات فوضى يجب إخضاعهم. هذه ليست مجرد رواية إعلامية، بل هي جزء من إستراتيجية سياسية تهدف إلى الحفاظ على الهيمنة "الأميركية-الإسرائيلية" في المنطقة، ولو كان الثمن إبادة شعب بأكمله.
إلى أين يقودون المنطقة؟
إذا استمر المسار الحالي، فإن النتيجة الوحيدة ستكون مزيدًا من التصعيد والانفجار الإقليمي. لا يمكن لدولة أن تواصل جرائم الحرب دون أن تواجه في النهاية عواقب ما تفعل، ولا يمكن لأي قوة أن تبقى متفوقة إذا كان ثمن هذا التفوق هو خلق أعداء جدد كل يوم.
إن أي حديث عن حلّ لا يبدأ بمحاسبة "إسرائيل" على جرائمها، ووقف الدعم الأميركي غير المشروط، ليس سوى خدعة جديدة تهدف إلى شراء الوقت، ريثما يتم تنفيذ مشروع التهجير والتصفية.
السؤال الأخير الذي يجب أن يُطرح هنا: هل يمكن لواشنطن، التي كانت دائمًا جزءًا من المشكلة، أن تصبح يومًا ما جزءًا من الحل؟ أم أن الحلّ الحقيقي يبدأ عندما يدرك العالم أن من يصنع الحرب لا يمكن أن يكون وسيطًا للسلام؟
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]