الأربعاء 01 أيلول , 2021

"المجتمع المدني": يد واشنطن التي تعبث بأمن ومستقبل العراق

العراق

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية المقرر إجراؤها في العاشر من تشرين الأول، مشاهد من الاعمال التخريبية بإدارة وإشراف أمريكي مباشر، من شنّ عمليات أمنية واستهدافات متكررة لشبكات النفط والكهرباء، في محاولة من الولايات المتحدّة لتطيير الاستحقاق الانتخابي أو ضمان دخول أدواتها الى البرلمان والحكومة العراقية. 

ويُعد المجتمع وخاصة الشباب العراقي الساحة الأكثر خصوبة، فتحاول خرقه عبر إنشاء مجموعات ومنظمات، يكون ظاهرها نشاطات سياسية واجتماعية وثقافية وصحية وغيرها، لكن غايتها الأساسية تنفيذ أجندات سياسية أمريكية، واستهداف حركات المقاومة في العراق، كما تحقيق هدفها الأول وهو فرض "التطبيع" مع كيان الاحتلال.

وتحظى هذه المنظمات بدعم مالي من واشنطن، التي خصصت لها مبالغ ضخمة، ومن مانحين دوليين، ويتم تحديد برامج تنمية وتطوير لهذه المنظمات.

المجتمع المدني ليس ظاهرة جديدة في العراق، فمع دخول القوات الأميركية عام 2003، شهد تناميًا ملحوظًا في عدد المنظمات، واستمر العمل عليه حتى بعد تحرير البلاد من "داعش" الإرهابي، حيث نمت وتوسعت بشكل لافت.

أولًا: لمحة عن واقع منظمات المجتمع المدني العراقي - فترة الاحتلال الامريكي

في فترة الاحتلال الامريكي للعراق تم تشكيل العديد من منظمات المجتمع المدني على أيدي الادارات الأمريكية ورجال السلطة العراقية التي تنفذ الاجندات الأمريكية داخل الحكومة العراقية إذ تم تسجيل ما بين 8000 و12000 منظمة وقد شكلت سلطة الائتلاف المؤقتة - التي عينتها الإدارة الأمريكية - لجنة لمنظمات المجتمع المدني في محاولة لإضفاء الطابع المؤسسي على دعم الدولة لهذه المنظمات الجديدة، والملاحظ أنه عند بدايات تكوينها كانت تابعة للأحزاب السياسية والجماعات الذي كُشف لاحقًا تورطهم في سرقة أموال الحكومة والذين هم جزء من اتفاق تقاسم السلطة.. لذلك فإن هذه المنظمات قد عكست واقع بيئة الانقاسامات السياسية وواقع الفساد ودورها المشبوه قبل بدء بعملها "بمحاربة الفساد".

استفادت هذه المنظمات من الدعم المالي الضخم من واشنطن، ومن المنظمات غير الحكومية الدولية والتي عززت بدورها من قدرات هذه المنظمات العراقية، إذ وفرت لهم التدريب، لاســيما وأن المنظمــات الدوليـة قـد اعتمـدت علـى العـاملين العراقيين فـي منظمـات المجتمـع المـدني العراقيـة، ذلـك أنهـم كـانوا أقـل عرضـة للتهديـد مقارنـة بالعـاملين الأجانـب ولكي لا تتهم اميركا في تحريك هذه المنظمات ولكي لا تتكشف الأهداف المستترة لهذه المنظمات، كمـا ان العـاملين العـراقيين –شركاء اميركا- لـديهم الخبرة والدراية بواقع مجـتمعهم العراقـي، والأهـم مـن ذلـك هـو أنهـم يحظـون بـالقبول مـن قبل الناس ويستطيعون جمع أكبر نسبة تأييد من الشعب العراقي لهم.

وفضلًا عن الدور المالي فإن النمو السريع لهذه المنظمات العراقية كان بحجة حاجة المجتمــع الــدولي الإنــساني الملحــة إلــى إيجــاد شــركاء محليــين لتنفيــذ "المـشاريع" فـي العـراق ممـا دفـع إلـى انـشاء آلاف من منظمـات المجتمـع المـدني علـى أمـل "الاسـهام فـي الديمقراطيـة والحريـة ومـشاريع إعـادة الاعمـار".

وعليــه فــإن المهــام التــي كــان من المفــروض ان تــضطلع بهــا منظمــات المجتمــع المـدني فـي مرحلـة مـا بعـد الاحـتلال وأحـداث العنـف التـي عـصفت بـالبلاد هـي الاسـهام فــي "إعــادة بنــاء الــشعب عــن طريــق خلــق ثقافــة تقبــل التعدديــة والديمقراطيــة، وتحــسين الظروف الاجتماعية المعيشية والاقتصادية، واجراء إصـلاحات سياسـية وحتـى أمنيـة"، ولكـن للأسف استخدمت هذه المنظمات في تنفيذ المصالح الأمريكية على الأرض العراقية تحت شعارات محاربة الفساد وإعادة الإعمار والديمقراطية. والجدير بالذكر في مرحلة انسحاب القوات الأمريكية من العراق عام 2011 فإن العديـد مـن هـذه المنظمـات قـد توقفـت عـن العمـل وبعـضها غـادر العراق أغلبها بأوامر أمريكية. وهذا ما يؤكد تبعية هذه المنظمات الى الادراة الامريكية.

إن مصادر التمويل والدعم السياسي لدى منظمات المجمتع المدني العراقي وصفت من قبل بعض المنظمات الحكومية الدولية بأنها غير شفافة لا سيما وأن هذه المنظمات هي وثيقة الإرتباط بالأحزاب المدعومة أمريكيًّا في الدولة، وفي هذا الخصوص ذكر المجلس النرويجي للاجئين أنه من أصل 8000 منظمة مجتمع مدني في العراق فإن جزءًا صغيرًا فقط يمكن وصفها بأنها غير منحازة لجماعات سياسية.

ثانيًا: الدور الأمريكي في إنشاء ودعم منظمات المجتمع المدني العراقي

بعـد الاحـتلال الأمريكـي للعـراق وضـع الـرئيس الأمريكـي الأسـبق (جـورج دبليـو بـوش) فـي 6 تـشرين الثـاني 2003، قـانون الاعتمـادات التكميليـة الطارئـة البـالغ 87 مليــار دولار، وتــم تخــصيص مبلــغ 10 ملايــين دولار إلــى معهــد الولايــات المتحــدة للـسلام مـن أجـل "دعـم أنـشطة تنفيـذ الـسلام وحفـظ الـسلام وبنـاء الـسلام فـي العـراق"، وكانــت مجــالات عمــل المعهــد تركــز أساسـًـا علــى المجتمــع المــدني، فــضلًا عــن ذلــك خصـصت سـلطة الائـتلاف المؤقتـة مـا يقـرب مـن 730 مليـون دولار للبـرامج المتعلقـة بالديمقراطيـة، وصـرفت الأمـوال فـي سـبعة مجـالات مختلفـة هـي:

­ _ ­مكافحـة الفـساد والشفافية الحكومية

 _ تنمية الأحـزاب الـسياسية

_ إدارة الانتخابـات

 _ وتعزيـز المؤسـسات الحكوميـة العراقيـة

 وبنـاء المجتمـع المـدني عـن طريـق المـنح والتـدريب وبنـاء القـدرات وبـرامج المــرأة، وتطــوير البنيـة التحتيــة الإعلاميــة.

ومــن جانبهـا قامــت الوكالــة الأمريكيــة للتنميــة الدوليــة بتخــصيص مبلــغ قــدره 155 مليــون دولار "لتنفيــذ مــشروع الحكــم المحلي الذي يسعى إلى بناء قدرات الهيئات الحكومية المحليـة فـي محافظـات العـراق". وتــذهب 10% مــن هــذه الأمــوال مباشــرة إلــى منظمــات المجتمـع المـدني الناشـئة، ومنـذ العـام 2004 قامـت الوكالـة الأمريكيـة للتنميـة الدوليـة بتنفيذ خطة لـ "بناء قدرات القطاعات الرئيسة للمجتمع المدني، ووسائل الإعلام المـستقلة فـي العـراق". وفــي الــسياق ذاتــه تبنــت الوكالــة الأمريكيــة للتنميــة الدوليــة "برنــامج المركــز"، كـأداة وشـبكة أساسـية يـتم مـن خلالهـا توجيـه الـدعم إلـى منظمـات المجتمـع المـدني فـي محافظـات (الموصـل وكركـوك والناصـرية والبـصرة وبغـداد) لتعزيـز تنميـة المجتمـع المـدني فـي جميـع أنحـاء العـراق، وبتمويـل وتجهيـز مـن الوكالـة. فـي مـوازاة ذلـك تلقـى المعهـد الـديمقراطي الـوطني منحـة مـن صـندوق التنمية الوطنية بلغت 3.1 مليون دولار لتنمية المجتمع المـدني العراقـي، وقـام المعهـد بأنشطة لبناء قدرات هذه المنظمات، وبرامج شاملة للتدريب والمـساعدة التقنيـة، وتوزيـع الأدوات، وحلقــات العمــل التدريبيــة وتوســع المعهــد فــي نــشاطه ليمتــد مــن شــمال العــراق (الموصـل وكركـوك) إلـى الجنـوب (الحلـة والناصـرية) تحديـدًا، وقـد عمـل المعهـد بـشكل مكثف مع ما يقرب من 45 إلى 50 منظمة مجتمع مدني عراقية.

ودعمــًا لجهــود حكومــة الولايــات المتحــدة الراميــة إلــى "تعزيــز حكــم المــشاركة الديمقراطيـة فـي العـراق"، سـعت الوكالـة الأمريكيـة للتنميـة الدوليـة فـرع العـراق إلـى تعزيـز دور المجتمــع المــدني فــي التنميــة الاقتــصادية والــسياسية لكــادر واســع مــن منظمــات المجتمــع المــدني المحليــة فــي العــراق، ولتحقيــق هــذا الهــدف مــنح مكتــب الوكالــة الأمريكيـة للتنميـة الدوليـة فـي العــراق عقـدًا قيمتـه 43 مليـون دولار لمؤسـسة التنميــة الأمريكيـة باعتبارهـا شـريك الوكالـة والمنفـذ الـرئيس لأنـشطة برنـامج المجتمـع المـدني فـي العــراق، ومــدة العقــد مــن 16 آب 2004 ولغايــة 31 آذار 2006، الا ان التمويــل ارتفـع إلـى 59.1 مليـون دولار بنهايـة 30 حزيران 2007، وركـز البرنـامج علـى تعزيـز "تنميـة منظمـات المجتمـع المـدني الناشـطة فـي مجـالات التربيـة المدنيـة، وقـضايا المـرأة، ومكافحة الفساد، وحقوق الإنسان". وقـد رافـق ذلـك كلـه تغطيـة إعلاميـة كبيـرة لأنـشطة المجتمـع المـدني علـى مـدى سـنوات البرنــامج، ومــن مؤشــرات نجــاح برنــامج المجتمــع المــدني العراقــي الممــول مــن الوكالـة الأمريكيـة للتنميـة الدوليـة، والمنفـذ مـن قبـل مؤسـسة التنميـة الأمريكيـة هـو التطـور الملحـوظ فـي دور منظمـات المجتمـع المـدني العراقـي، وزيـادة عدد المنتسبين اليها. كمــا قــام البرنــامج بتطــوير القــدرات التنظيميـة لمنظمـات المجتمـع المـدني العراقيـة العاملـة مـن "أجـل الإصـلاحات الاجتماعيـة والاقتصادية والسياسية"، حيث شـارك مـا مجموعـه 1964 منظمـة مـن منظمـات المجتمــع المــدني العراقيــة فــي بــرامج التــدريب والمــساعدة التقنيــة التــي قــدمها برنــامج المجتمـع المــدني فـي العــراق لبنــاء قـدرات منظمــات المجتمــع المـدني فــي المجــالات التشغيلية والبرامجية.

فضلا عن ذلك عمل برنامج المجتمع المدني العراقـي بـشكل كبيـر علـى تطـوير وســائل الإعــلام المــستقلة فــي العــراق، إذ قــام بتــدريب أكثــر مــن 8000 من العاملين في مجال الإعلام من صحفيين وفنيين ومحـررين ومـديرين، وأكثـر مــن 20% مــنهم كــانوا مــن النــساء، كمــا قــدم البرنــامج المــساعدة التقنيــة إلــى شــبكة الإعلام العراقية لتطويرها لتـصبح شـبكة إذاعيـة عامـة، كمـا دعـم برنـامج المجتمـع المـدني في العراق إصلاح النظام القانوني والتنظيمي من خلال الدعوة إلى قوانين الإذاعـة العامـة وحريـة التعبيـر الـسلمية.

"إنجــازات" الوكالــة الأمريكيــة للتنميــة الدوليــة ضــمن برنــامج المجتمــع المــدني العراقــي فــي جميــع أنحــاء العــراق خــلال المــدة مــن 2004 ولغايــة 2006:

1. مراكز المجتمع المدني وتضمنت:

_ عقــد 1441 ورشــة عمــل تدريبيــة متبوعــة بالمــساعدة الفنيــة لتطــوير القدرات الأساسية لمنظمات المجتمع المدني.

_ قيـادة 275 منتـدى و30 مـؤتمرًا وطنيًـا وإقليميـًا، جمعـت منظمـات المجتمع المدني.

_ تلقــت 3 الاف مــن منظمــات المجتمــع المــدني التــدريب والمــساعدة التقنية.

_ قـام 43 ألــف مــشارك مــن منظمــات المجتمــع المــدني بزيــادة معــرفتهم ومهاراتهم وعملياتهم.

_ تـــدريب 6 الاف موظـــف حكـــومي، ومـــشاركتهم فـــي حلقـــات عمـــل ومنتديات ومؤتمرات.

2. مكافحة الفساد وتضمنت:

_ دعـم منظمـات المجتمـع المـدني مـن أجـل إضـافة 13 حكمًـا مـن مكافحـة الفساد إلى الدستور العراقي.

_ تلقــى 6 الاف مــسؤول حكــومي علــى مختلــف المــستويات التــدريب والمساعدة التقنية في مجال الشفافية والمساءلة.

_ الوصــول إلــى مليــون عراقــي مــن خــلال حملــة توعيــة وطنيــة تــضم بــرامج مبتكرة من قبل منظمات المجتمع المدني العراقية.

3. حقوق الإنسان وتضمنت:

_ تلقى أكثر من 4 الاف موظـف مـن منظمـات المجتمـع المـدني ومـوظفي الحكومة التدريب والمساعدة التقنية في مجال حقوق الإنسان.

_ أقامـت منظمـات المجتمـع المـدني شـراكات مـع إدارات الـشرطة وإدارات حقــوق الإنــسان وغيرهــا مــن الوكــالات الحكوميــة.

4. التربية المدنية وتضمنت:

_ مساعدة منظمات المجتمع المدني التي حشدت المواطنين للمـشاركة فـي الاستفتاء الدستوري العراقي والعمليات الانتخابية.

_ شـاركت مئـات منظمـات المجتمـع المـدني فـي مـؤتمرات إقليميـة ووطنيـة للدعوة إلى تشريع قانون المجتمع المدني.

5. وسائل الإعلام المستقلة وتضمنت:

_ المساعدة في بناء واستمرار قدرات الوكالات الإخبارية المستقلة.

_ زيادة معارف ومهارات الصحفيين ومهنيين إعلاميين.

_ إنشاء مجموعة مراقبة عراقية إعلامية.

وفي تقرير أصـدرته الوكالـة الأمريكيـة للتنميـة الدوليـة فـي شباط 2012 تـضمن تقييمًـا لأنـشطتها الخاصـة بـالمجتمع المـدني فـي العـراق أوضـحت فيـه أنـه مـع انـسحاب القــوات الأمريكيــة فــي 25 كــانون الأول2011، فــإن مــساعدات الوكالــة الأمريكيــة للتنميـة الدوليـة للعـراق سـتدخل مرحلـة جديـدة، إذ سـتحتاج منظمـات المجتمـع المـدني العراقيــة إلــى برنــامج أوســع نطاقــا فــي مجــال "محاربة الفساد".

وهنا يجب الإشارة الى أن الوكالـة الأمريكيـة للتنميـة الدوليـة USAID هي المنظمة الأساسية والرئيسية التي تدعم منظمات المجتمع المدني في العراق كافة، وفي تقرير تصدره هذه الوكالة عن فعاليتها داخل العراق كل 4 أشهر يتبيّن أنها تقدم مبلغ وقدره 3 مليارات دولار سنويًّا دعمًا لمنظمات المجتمع المدني ويستفاد من برامجها قرابة 1.600.000 شخص ويصرف 880 مليون دولار في مختلف القطاعات التي تعمل عليها.

النسبة الكبيرة من هذه المبالغ كما ذكرنا سابقًا تعود للولايات المتحدة الامريكية بالإضافة الى دول أخرى ولكن بمستوى دعم أقل مثل ألمانيا، بريطانيا، اليابان، الاتحاد الأوروبي، كندا، السويد، النروج، استراليا، وهولندا. هذه الدول تموّل منظمات المجتمع المدني في العراق بالتنسيق مع USAID، وتقوم USAID بدورها في تنفيذ البرامج المشتركة مع هذه الدول باسم الوكالة بشكل مباشر، أو عبر أذرعها أو من خلال واجهات رسمية أخرى تعمل معها مثل الأمم المتحدة التي لديها 20 مكتب باختصاصات متعددة يعملون تحت إمرتها ووفق سياساتها في مختلف المدن العراقية.

والجدير بالذكر أن الى جانب USAID يقدم صندوق الدعم الديمقراطية قرابة 270.000.000 سنويًا الى 48 منظمة مجتمع مدني في العراق بحسب موقعه الإلكتروني الرسمي.

ثالثًا: مراحل تأسيس الولايات المتحدة لمنظمات المجتمع المدني في العراق

2003- 2007: مرحلة التأسيس

في هذه المرحلة تم إنجاز 67 مشروع يصب في خدمة تأسيس مجتمع مدني عراقي بالتعاون مع منظمة غير ربحية أمريكية ومقرها واشنطن وهي ACDI/VOCA، وأبرز ما تم تأسيسه هو:

_ بنـاء مراكـز نـسائية

_ بناء مراكـز ثقافيـة ومجتمعيـة

_ تجديـد المكتبـات

_ إنـشاء محطـات إذاعيـة مجتمعيـة

_ رعايـة أحـداث ثقافيـة

_ تعزيـز صـوت المجتمـع المـدني وتفاعلـه مـع الحكومـة المحليـة

_ تـشكيل مجلـس محلـي تـم اختيـاره مـن بــين المــشاركين فــي الاجتمــاعات كنمـوذج لتنفيـذ المـشاريع

_ تنفيـذ أكثـر مــن 670 مـشروعًا، للتـدريب الأساسـي علـى الإسـعافات الأوليـة إلـى مـا يقـرب مـن 850 ألـف دولار لتمهيـد الطريـق بـين تكريـت والحويجـة، عـن طريق المجالس المحلية البلدية.

2007-2008: مرحلة تنظيم وتشبيك المنظمات ببعضها البعض

خــصص لهذه المرحلة 95 مليــون دولار، إلا أن هــذا التخــصيص زاد لاحقــاً بمبلــغ 55 مليــون دولار فــي أيلول 2007 ليصل المجموع إلى 150 مليون دولار، وكان الهدف النهـائي لهذه المرحلة هــو "تعزيــز الإدارة المحليــة المــسؤولة والفعالــة فــي العــراق عــن طريــق إضــفاء الطــابع المؤســسي علــى الآليــات المجتمعيــة والقــدرة علــى مــشاركة المــواطنين فــي صــنع القــرار والتنمية على الصعيد المحلي"، وقد صممت هذه المرحلة لتعزيـز الديمقراطيـة الـشعبية وتحـسين الحكم المحلي عبر منهجية "المشروع والمعالجة"، لتحقيق التنميـة المجتمعيـة للمـشاريع الإنمائية ذات الأولوية المجتمعيـة بنـاء علـى الطلـب، ويـتم تحقيـق ذلـك عـن طريـق إنـشاء فرق عمل مجتمعية تتألف من متطوعين منتخبين من السكان المحليين.

2008-2012: مرحلة إعداد الدراسات والمسح وفهم المجتمع العراقي واحتياجاته وتحديد مكامن القوة والضعف للمجتمع العراقي

في هذه المرحلة تم "رعايـة مجتمـع مـدني نــشط قــادر علــى تحديــد احتياجــات المجتمــع ذات الأولويــة والــدعوة إليهــا، وغــرس الديمقراطيـة ومــشاركة المــواطنين فــي صــنع القـرار علــى جميــع مــستويات الحكومــة مــن القاعــدة الــشعبية، وقــدرة الحكومــة المحليــة علــى تلبيــة إحتياجــات المــواطنين، ودعــوة المـــواطنين لمـــساعدة الأقليـــات الـــضعيفة"، ولهـــذا الغـــرض ســـعت هذه المرحلة إلـــى ربـــط مجموعات من المواطنين ومنظمات المجتمع المـدني وقـادة الحكومـة بالمنـاطق الـضعيفة مـن العـراق، علما أن مجال عمل هذه المرحلة هـو فـي أربـع محافظـات هـي ديـالى وكركوك ونينوى وصلاح الدين، وقـد أنجـز المتطوعـون مـن المجتمعـات المحليـة 391 مشروعًا هدفت إلـى تحـسين "الحيـاة المحليـة عـن طريـق توسـيع إمـدادات الطاقـة، وإنـشاء شـبكات ميـاه الـشرب، وإضـافة غـرف دراسـية إلـى المـدارس".

2012-2015: مرحلة التخطيط وبناء العلاقة وطرح الفكر والرؤية الأمريكية بين المؤسسات العراقية

فـي سـياق مـساعي الوكالـة الأمريكيـة للتنميـة الدوليـة الراميـة إلـى تعزيـز قطـاع المجتمــع المــدني لمــساعدة العــراق علــى أن يــصبح أكثــر مــشاركة ديمقراطيــة، منحــت الوكالــة عقــدًا لمؤســسة فيــالق الرحمــة فــي 26 أيلــول 2012، لمــدة ثــلاث ســنوات، وبميزانيــة ابتدائيـــة بلغـــت 75 مليـــون دولار لتنفيــذ مـــشروع بنـــاء قـــدرات منظمـــات المجتمـع المـدني العراقـي وتوسـيع مـشاركته، ودعـم المـشروع منظمـات المجتمـع المـدني وقـدم المـشروع مجموعــة مــن الــدورات التدريبيــة الموحــدة لمنظمــات المجتمــع المــدني، مثــل التخطــيط الاســتراتيجي وأفــضل الممارســات الإداريــة.

وفـي 30 أيلول 2013، أنفقـت مؤسـسة فيـالق الرحمـة 204 مليــون دولار علـى ثمـاني منظمـات مجتمـع مـدني عراقيـة لتحديـد ضـحايا النزاعـات، وشـملت أفـرادًا ومجتمعــات متــأثرة بــالجيش الأمريكــي أو قــوات التحــالف.

وقـد وسـعت مؤسـسة فيــالق الرحمــة نــشاطاتها لتــشمل مراقبــة الانتخابــات وأنــشطة توعيــة النــاخبين لمجلــس المحافظة، وعمومًا قدمت مؤسسة فيالق الرحمة التـدريب والتطـوير التنظيمـي والمـساعدة التقنية لما بين 150 و175 من منظمات المجتمع المـدني العراقيـة، وانـشأت 13 مركــزًا لتــشجيع التفاعــل بــين منظمــات المجتمــع المــدني.

وبعـد سـيطرة تنظـيم داعش الإرهابي علـى أجـزاء مـن العـراق عام 2014 خفضت الوكالـة الأمريكيـة للتنميـة الدوليـة مستوى التمويل لهذه المؤسسة إلى 55 مليون دولار.

2015-2022: بدء بتنفيذ البرامج والخطط وتطبيق استراتيجية "مكافحة التطرف العنيف".

في هذه المرحلة سيطر تنظيم داعش الإرهابي على بعض المدن العراقية وبدأ الحشد الشعبي يقاوم إرهاب هذا التنظيم، وفي سبيل تحقيق استراتيجية مكافحة التطرف الإرهابي عقـد المعهـد الأمريكي للسلام 11 سلـسلة حـوار بـين كـانون الأول 2015 ولغايـة نيـسان 2016 مـع منظمـات المجتمـع المـدني العراقيـة، والـسلطات المحليـة وشـيوخ العـشائر وعلمـاء الـدين والنـازحين والمجتمعـات المـضيفة، فـضلًا عـن الـشرطة، ومكتـب الأمـن الـوطني، وممثلـو الوكـالات الدوليـة، وممثلـين عـن وزارات مختلفـة، مثـل وزارة الهجـرة والمهجـرين، ووزارة التعلـيم، ووزارة الـصحة، وركـزت الحـوارات والاجتماعـات علـى: العـودة الآمنـة للنـازحين داخليا، وسبل استعادة الأمن، وسـبل اسـتعادة العدالـة، والنزاعـات المتوقعـة التـي قـد تـؤثر على العودة الطوعية للنازحين إلى المناطق المحررة. كل هذه العنواين تندرج تحت عملية تنفيذ استراتيجية مكافحة التطرف العنيف التي بدأت الاداراة الأمريكية بتفيذها في العراق والتي تقوم على مكافحة الإرهاب مثل داعش و"الحشد الشعبي المقاوم" وبعد أن انكشفت المساعدات التي كانت تقدمها الإدارة الأمريكية لداعش من عتاد وأسلحة لوجيستية نستطيع القول أن هذه الاستراتيجية كانت تقوم تحت مسميات تحرير العراق من ارهاب داعش لضرب المقاومة في العراق وتفتيت الحشد الشعبي وليس داعش كما تقوم بنشر ثقافة داخل العراق أن الحشد الشعبي يساوي داعش والحشد هو ذراع ايران داخل العراق وذلك لخلق بيئة معراضة وإثارة الفتن.

ولا زالت حتى الآن تقوم الادارة الأمريكية في استكمال تطبيق استراتيجيتها عبر منظمات المجتمع المدني لنشر الثقافة الأمريكية وجمع أكبر عدد ممكن من العراقيين الذين تأثروا بهذه الثقافة في مختلف المناطق وخصوصًا بالمناطق التي يتواجد فيها الحشد.

رابعًا: حقيقة دور منظمات المجتمع المدني في العراق

بعد استعراض ما تم تقديمه من قبل الإدارة الامريكية من أموال ودعم من أجل إنشاء وتطوير منظمات المجتمع المدني في العراق من الجيّد التذكير بأمر هام بأن كل هذه المنظمات تربطها علاقة وثيقة مع الاستخبارات الأمريكية CIA لأن الوكالـة الأمريكيـة للتنميـة الدوليـة تقوم بالتنسيق المباشر مع CIA والبنتاغون من أجل تحقيق الاستراتيجية الأمريكية المخطط لها داخل العراق، إذًا بطريقة مباشرة وغير مباشرة منظمات المجتمع المدني العراقية هي إحدى الأذرع الخفية لـ CIA.

وللتأكيد على صحيّة المبدأ المذكور في المقدمة يجب الاجابة على السؤال التالي:

لماذا قدمت واشنطن هذه المبالغ الضخمة في فترة 2003-2013 في سبيل منظمات المجتمع المدني في بلد غزته واحتلته وكانت المسؤولة الأولى عن تخريبه، بشريًا وعمرانيًا، بشكل مباشر وغير مباشر؟  وتصبح علامة الإستفهام أكبر حين يتم تمويل منظمات المجتمع المدني في البلد المحتل مثل العراق تحت شعار رنان هو "بناء السلام"، فعن أي سلام يتحدثون؟ هل هو ذات " السلام" الذي يحاول كيان الاحتلال تسويقه، يوميًا، بينما يدير آلة القتل المنهجي ضد الفلسطينيين؟

من هنا نتأكد من أن الأهداف الأساسية والمستترة لهذه المنظمات هي بعيدة كل البعد عن شعارات "محاربة الفساد وإعادة الإعمار والتشجيع الديمقراطية وبناء السلام..."

في كتابه "كانت نيتنا حسنة"، يكشف الدبلوماسي الأمريكي بيتر فان بورن، قائد فريق إعادة الإعمار التابع لوزارة الخارجية الأمريكية في العراق، عن قائمة طويلة من المشاريع الخيالية والوهمية التي قام بها فريق الإعمار وفي كلا الحالتين لم تكن ذات فائدة إطلاقًا للمجتمع العراقي بينما "كلفت دفع الضرائب الأمريكي أموالاً طائلة"، حسب تعبيره، وان كانت الأموال، في الحقيقة، مستخلصة من العراق نفسه.

يتساءل فان بورن أثناء تمحيصه طبيعة المشاريع: "إذا ما تم تعيينك مسؤولًا عن إعمار العراق، هل ستنفق أموال دافعي الضرائب على لوحة جدارية في أخطر أحياء بغداد لتشجيع المصالحة من خلال الفن؟ ماذا عن إنشاء مصنع الحليب النائي المعزول الذي لا يستطيع العاملون فيه نقل الحليب إلى السوق؟ أو إدارة صف لتدريب العراقيات على صنع المعجنات وفتح المقاهي في شوارع قصفت وتفتقر إلى الماء والكهرباء؟".

وإذا كانت مئات المشاريع قد تم تجميدها بعد الانسحاب الجزئي لقوات الاحتلال عام 2011، فإن ما أسس له من فساد مالي بقي متغلغلاً، في بنية الحكومات العراقية ومؤسساتها، من أعلى المناصب القيادية الى أصغرها، ومقبولاً، عملياً، من قبل كل المنخرطين في العملية السياسية.

لم تكن ولادة "المجتمع المدني" الذي برز بمنظماته وشبكات اتصالاته، في العراق المحتل منذ عام 2003، طبيعية. فباستثناء قلة من المنظمات المستقلة، فعلاً، جاءت ولادة معظم البقية مشوهة، بعدما أعلن ديك تشيني، وزير الخارجية، أن أي عمل مدني تدعمه جزء من سياستها الرسمية وليس كما تشاء المنظمات أو الناشطون. عدد منها كان جزءاً من القوة الناعمة لبلدان أخرى ساهمت بالغزو وكانت قد أسست في الخارج لتسويق الخطاب الدعائي لشن الحرب، ومن ثم تم تصديرها الى داخل البلد لترويج خطاب "بناء الديمقراطية". العدد الآخر، تم تأسيسه داخليًا، في فترات تطلبت نشاطًا دعائيًا ترويجيًا معينًا، مثل تأسيس مئات المنظمات قبل الانتخابات لتصويرها بأنها "نزيهة وشفافة". هذه المنظمات كانت تتلاشى حالما تنتفي الحاجة اليها وينتهي التمويل. وإذا كانت من أبرز مصادر الدعم والتمويل لمنظمات " المجتمع المدني" الناشطة داخل العراق هي وكالة الاستخبارات الأمريكية ووزارة الدفاع البنتاغون ووزارة الخارجية الأمريكية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، في فترة الاحتلال الأولى فإن مسؤولية التمويل تقاسمتها منظمات أمريكية، مدعومة حكوميًا، باشرت ذات المهمة وهي: المعهد الديمقراطي الوطني للشؤون الدولية، والمعهد الجمهوري الدولي، ومركز المشروعات الخاصة المستقلة، والمركز الأمريكي للتضامن الدولي من أجل العمل "مركز التضامن"، وعدة منظمات أصغر مثل معهد الولايات المتحدة للسلام. مهمتها، على اختلاف أسمائها، تصدير السياسة الأمريكية تحت أغطية ملونة ومزركشة بالديمقراطية والمصالحة والسلام.

ولم يقتصر هوس تأسيس المنظمات على بلدان الاحتلال فقط، إذ سرعان ما اكتشف ساسة الحكومة العراقية أهميتها كأداة للتظاهر بالديمقراطية وحقوق الانسان أمام المجتمع الدولي والدول المانحة من جهة، ولإجهاض عمل المنظمات المستقلة من جهة أخرى. فباتت المنظمات الكبيرة المهيمنة على الساحة امتداداً طبيعياً للحكومة، اذ يحتل رؤساء عدد من أكبر منظمات المجتمع المدني المهيمنة على الساحة مناصب حكومية عليا، بالإضافة الى الأحزاب الفاسدة القادرة على التمويل، حيث تم تحويل "المجتمع المدني" من مجموعة من المنظمات التطوعية التي تنشأ وتعمل باستقلالية عن الدولة إلى واجهات لمن يدفع ناهيك عن تمثيل السياسة الخارجية لدول أخرى، والأدهى من ذلك حين تكون الدولة الممولة هي محتلة للبلد وعملت بمثابرة على تهديم بنيته التحتية وسببت مقتل أكثر من مليون مواطن.

ان تدخل الأحزاب ووصاية الحكومة يعني موت المجتمع المدني فما بالك بالتدخل الأجنبي؟ ما بالك إذا كان الأجنبي هو المحتل الذي هدم البلد وعاد متظاهراً ببناء السلام من خلال منظمات ومشاريع تغذي قلة من المستفيدين أو السذج.

في الختام، يجب الإشارة الى أن الإدارة الأمريكية استخدمت هذه المنظمات أثناء أحداث تشرين 2019 في العراق لتحريك هذه الأحداث بما يخدم مصالحها واهدافها، بالتعاون مع السفارة الأمريكية في العراق حيث أثبت لاحقًا تورط العديد من المتظاهرين بأعمال عنف تبيّن تعاملهم مع السفارة الأمريكية ودفع السفارة لهم مبالغ من المال للقيام بمثل هذه الأعمال. لذلك ليس من الضروري أن مثل هذه المنظمات تظل حاضرة على الساحة العراقية وبقوة، لا بل إن الادارة الأمريكية تقوم بإخمادها واشعالها بما يتناسب مع وضعها الداخلي والخارجي وفي الوقت المناسب.

 


الكاتب: غرفة التحرير