السبت 03 نيسان , 2021

هل حراك " 17 تشرين" ثورة ملونة!

احتجاجات 17 تشرين

بنظرةٍ خاطفة على ما جاء في "استراتيجية الأمن القومي" على لسان عضو الحزب الجمهوري الأميركي ستيفن هادلي: " إن سياسة الولايات المتحدة هي البحث عن الحركات والمؤسسات الديموقراطية في كل أمة وكل ثقافة ودعمها من أجل الهدف النهائي ألا وهو القضاء على الطغيان في العالم"، واذا ما أمعنا القراءة بين سطور هذه اللغة الديماغوجية نرى أن الاستخبارات الأميركية تجد في كل بلد لا يروقها "طابوراً خامساً" وتحت عناوين مختلفة من قبيل الدفاع عن حقوق الانسان، والديموقراطية والحرية والعدالة تموّله وتجيّش وسائل الاعلام التابعة لها لإتمام تدخلها على شكل "ثورة ملونة".

عانى لبنان منذ عقود أزمات بنيوية اقتصادية وسياسية جعلت من الوصول إلى الانفجار الاجتماعي أمراً محتوماً، غير ان الانتصارات العسكرية التي حققها لبنان في السنوات الأخيرة لم يكن باستطاعة الولايات المتحدة و"إسرائيل" بطبيعة الحال غض الطرف عنها، وما لم تستطع أخذه بالحرب تحاول أخذه في السياسة والفوضى.

عام 2019 نزل مئات اللبنانيين إلى الشوارع احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية التي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، لكن سرعان ما تحولت هذه الاحتجاجات إلى ساحات استعراضية لم تعد تُشبه غضب اللبنانيين المُحق، فكلُّ أساليبها وشعاراتها مثيرة للريبة.

لم يكن عُمق التشابه بين ظروف وأساليب "ثورة 17 تشرين" وخصائص الثورات الملونة في العالم محض صدفة. كل الاحداث تدل على ذلك، وهنا عرض لتلك الأساليب التي أشار اليها المنظر الأميركي جين شارب في كتابه الشهير " من الديكتاتورية الى الديموقراطية اطار تصوري للتحرر":

-القبضة: ظهرهذا الشعار في كل الثورات الملونة في العالم حيث اعتبرها الشعب أنها تمثّل إرادته بحكم نفسه بنفسه، إلا أن الانتشار الواسع الذي حققه هذه الشعار وعلى هذه الشاكلة التي بات الدفاع عنه يشكّل أولويةً يثير الشبهات.

في لبنان أُحرق شعار الثورة عدة مرات من قِبل لبنانيين آخرين لا يؤمنون بتلك التحركات، والغريب أن الشعار يُعاد بناؤه بين ليلة وضحاها.

- الحفلات الموسيقية والرقص في الشوارع والساحات وما يتخللها من موائد الطعام كطريقة جذب لكل الشباب حتى الذين يخالفونهم الرأي كنوع من الترفيه بعد كل الضغوطات التي يعيشها الشباب اللبناني اليوم.

مما يُلفت الانتباه أن المصاريف الناتجة عن إقامة هذه المشاريع لا يمكن للبناني نزل احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية أن يُغطيها أو يؤمن لها هذا التمويل.

- الشعارات: توحّدت الهتافات فجأة حتى بات شعار "كلن يعني كلن" يُردّد بشكل مثير للاهتمام بالنسبة لسرعة انتشاره رغم أنه لا يمثّل قناعات جزء كبير من اللبنانيين.

- الألفاظ المنافية للأخلاق: فعلى قاعدة أما أن تكون معنا أو مثلنا تماماً أو لا يحق لك أن تكون، مارس المتظاهرون إرهاباً فكرياً على كل مَن يخالفهم الرأي، وطُبعت الشتائم على الجدران في الأماكن العامة ومنازل المخالفين ل "ثورتهم".

- النشاطات الاستعراضية: مثل ممارسة اليوغا على الطرقات العامة لإعاقة السير وإقامة أطول سلسلة بشرية من الشمال إلى الجنوب.

- المسيرات السيّارة التي تجوب الطرقات.

- الجنازات الرمزية وإضاءة الشموع: وقد أقيم العديد منها في لبنان بعيد سقوط ضحايا جراء المواجهات مع القوى الأمنية،والجدير بالذكر أن هناك من قضى بسبب قطع هؤلاء للطرقات بالسواتر الاسمنتية والشاحنات إلا أنهم لم يُصنفوا "شهداء الثورة".  

- الاعتداء على الجيش والقوى الأمنية: ويأتي في المقدمة تصريح السفيرة الأميركية في بيروت دورثي شيا بتحذير القوى الأمنية التصدي للمتظاهرين أو قمعهم. وأدى ذلك الى حالة من الاعتداء المتواصل على القوى الأمنية بتكتيك "اضرب واهرب" حتى تقع عند ذلك العناصر الأمنية بخطأ يُمارس عليها بمنهجية فتقبض على عدد آخر لم يقم بأعمال الشغب فيزداد بذلك عدد "المقموعين" وتُثار حالات التعبئة ضدها. وقد نتج عن هذه الاعتداءات جرح وقتل بعض القوى الأمنية.

- التجنيد الإعلامي: أدلت السفيرة الأميركية بعدة تصريحات مثيرة للفتنة وهي بمثابة تدخل صارخ في شؤون لبنان واعتداء على سيادته فأصدر القاضي محمد مازح قراراً بمنع وسائل الاعلام استصراح السفيرة لمدة سنة غير أن أدواتها الاعلامية المُجنّدة تحدّت القرار القضائي ما يُعبّر عن مدى سطوة الولايات المتحدة في الدولة العميقة اللبنانية لا سيما وسائل الاعلام.

- الندوات التي تقام في الخيم: وغالباً ما كانت تعمل على توجيه ممنهج للرأي العام، وقد جرى تسريب أحد المقاطع المصوّرة لأحد اللقاءات يقول بها المتحدّث بأن "السلام مع اسرائيل" هو طريق الخلاص. 

- توجيه الخطاب على وسائل التواصل الاجتماعي: والتي أصبح الولوج إليها لإدارة الرأي العام أمراً سهلاً في الوقت الحاضر وهو بمثابة إدارة "لمعركة الوعي" التي يجري من خلالها تأكيد سردية محددة حول الطرف الذي لا يجاريهم وتقديمه ضمن تأطيرات معينة تحت مسميات عدّة: إرهابي، فاسد وطائفي منغلق...

- غياب القادة: رفض المحتجون كل دعوات رئيس الجمهورية بتسمية ممثلين عنهم للحضورعنده وتقديم الاقتراحات البديلة بحجج واهية، لأنه فعلياً لا اقتراحات بديلة عندهم لجهلهم بمفاصل الحياة السياسية في لبنان. ولوحظ مطالبة العديد منهم باستقالة الحكومة التي هي مستقيلة أساساً.  

- الاعتماد على الشباب: الحاقدون على السلطة التي سرقت أحلامهم باعتبار أن لا عمل بين أيديهم ولا شيئاً يخافون على فقدانه فيندفعون بقوة وراء المظاهر الاحتجاجية للتخفيف من احتقانهم المتراكم، فيما يجدون الأمر أكثر متعة عندما يتحول إلى جولات عنفية.

تستغل هذه الجهات عمليات اغتيال اشخاص معروفين في أوساطهم (وقد تكون نفسها الجهة المنفذة أيضاً) كما جرى استغلال اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري عام 2005 التي ولّدت ما عرف ب "ثورة الأرز" وإنشاء المحكمة الدولية، إضافة لاستثمار اغتيال الناشط لقمان سليم لزيادة الاحتقان بين أطراف الساحة اللبنانية.

بعد مرور سنة على "ثورة 17 تشرين" لا مكاسب جدية حُققت، غير أنها كشفت اللثام عن أن ما كان يجري ليس إلا فوضى ممنهجة تشيعها الولايات المتحدة بهدف إعادة التموضعات وهندسة التحالفات بين الجهات السياسية، فالصيد من خلال الأساليب غير المشروعة صعبٌ إلا في الماء العكر.


الكاتب: غرفة التحرير



وسوم مرتبطة

دول ومناطق