الأربعاء 03 تشرين ثاني , 2021

مأرب الاستراتيجية تتحرر.. واشنطن والرياض ماذا بعد!

قوات صنعاء تحرر مأرب

يشكّل التقدّم السريع للجيش واللجان الشعبية في محافظة مأرب اليمنية واتجاهها نحو الحسم العسكري القريب، مأزقاً وفشلاً واضحاً لمخططات الولايات المتحدة من حربها على اليمن بواسطة السعودية لأكثر من 7 سنوات، وذلك لما تحمل مأرب من أهمية استراتيجية خاصة من ناحية الامدادات النفطية وعوائدها المهمة في التخفيف عن حكومة صنعاء من ضغوطات الحصار الأمريكي.    

لذلك تستعد واشنطن للتسليم، ولو ضمناً، بأنها خسرت الحرب في اليمن، وعليها اللجوء الى البدائل والتي قد ترجح العديد من الخيارات في محاولة التعويض ببعض المكتسبات.

لقاءات أميركية سعودية حول اليمن

اجتمع مستشار الامن القومي جايك سوليفان بتاريخ 27 أيلول 2021، مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وورد عن هذا الاجتماع بحسب مجموعة الازمات الدولية، أن سوليفان ضغط على الرياض لإنهاء القيود المفروضة على دخول البضائع الى ميناء الحديدة، والتفاوض بشأن الترتيبات التي من شأنها تمكين مطار صنعاء الدولي من إعادة فتحه والعمل به، وعقد صفقة مع حكومة صنعاء لإنهاء مشاركتها في الصراع، كما ورد أن سوليفان حذر بن سلمان من أن التشريع المعلق في الكونغرس، بما في ذلك التعديلات على قانون تفويض الدفاع الوطني، قد يجبر الإدارة على زيادة تقييد التعاون العسكري مع السعودية.

المبعوث الأميركي

أجرى المبعوث الأميركي الخاص إلى اليمن تيم ليندركينغ جولة في المنطقة، استهلها في العاصمة الأردنية عمّان، ثم أكملها بزيارة الإمارات والسعودية وسلطنة عمان، كما التقى بأعضاء من حكومة هادي المنتهية ولايته، وممثلي المجتمع المدني وكبار المسؤولين الحكوميين الإقليميين والأمم المتحدة وشركاء دوليين آخرين.

وفي السياق، أجرى المبعوث الاممي الى اليمن هانس غروندبرغ، جولة في المنطقة، استهلها بزيارة إلى الرياض استمرت 3 أيام، اجتمع خلالها بوزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، وسفير المملكة إلى اليمن محمد آل جابر، كما التقى بنائب الرئيس اليمني علي محسن، كذلك التقى برئيس الوزراء في حكومة هادي معين عبد الملك، اذ شدد خلالها على أهمية التنفيذ الكامل لاتفاق الرياض لدعم الاستقرار وعمل مؤسسات الدولة، والحاجة الملحة لتغيير المسار والعمل نحو تسوية سياسية تشمل الجميع وتنهي النزاع بشكل كامل.

يقدم غروندبرغ برنامج عمل وخطة متكاملة لحل الصراع في اليمن، تعتمد في الأساس على تقسيم مناطق سيطرة التحالف السعودي الاماراتي ووكلائهم الى عدة أقاليم فدرالية، بحسب الجهة الفاعلة المحلية التي تسيطر عليها، وحكومة موحدة مقرها عدن، واشراك ما يسمى بمنظمات المجتمع المدني في وضع البرامج السياسية والإنمائية والاجتماعية التي سوف تطبقها إدارات الأقاليم المختلفة.

تحرير مأرب، مكاسب استراتيجية

لا تنظر الولايات المتحدة الى سعي حكومة صنعاء لتحرير مأرب، من وجهة نظر جغرافية عسكرية فقط، ولكنها ترى في ذلك تداعيات كبيرة على الاستراتيجية الامريكية المعدّة لليمن شمالاً وجنوبًا، يتمثل بعضها في التالي:

_ يوفر لحكومة صنعاء تأمين مصادر دخل مستدامة.

_ يوفر استقرار في امدادات النفط والغاز تضعف ورقة الحصار الأميركي السعودي.

 _ يعزز الوضع الاقتصادي في مناطق سيطرة حكومة صنعاء بشكل عام.

_ يعزز استقلالية القرار السياسي اليمني.

_ يسهل تحرير محافظة شبوة المطلة على بحر العرب، والغنية بالنفط والغاز، إضافة الى البنية التحتية لنقله وتصديره عبر ميناء بلحاف، حيث تقع أكبر منشأة يمنيه مخصصه لتصدير الغاز المسال.

_ يؤمّن السيطرة على ميناء بير علي، الذي يقع بالقرب من ميناء بلحاف، ويستخدم لتصدير نفط محافظه شبوه ايضا، وهو نقطه وصول خط انابيب "شبوه - بير علي" الذي تبلغ قدرته 135 ألف برميل يوميا.

_ يسهل تحرير كامل الشرق اليمني.

_ يضع الدعوات الانفصالية في عدن في موقف خطير، بسبب سيطرة الجيش واللجان الشعبية على مساحات من شبوة، وإمكانية تطوير الهجوم مستقبلا للسيطرة على منابع النفط والغاز في المحافظة، الامر الذي يحرم الجهة المسيطرة في عدن، من مداخيل مستدامة لتعزيز اقتصاد المدينة.

_ تحرير شبوة، يضمن اطلالة استراتيجية لحكومة صنعاء على بحر العرب والمحيط الهندي، حيث تمر عبره الملاحة البحرية التجارية والعسكرية الدولية.

_ انفجار الصراعات البينية بين الرياض وأبو ظبي، وأدواتهما من التشكيلات العسكرية المختلفة، بسبب تقلص المساحة الجغرافية المتاحة لحكومة هادي، وسعي الرياض لتأمين موطئ قدم لها في عدن، ما ينعكس ضعفا في النفوذ الأميركي في اليمن.

الخيارات الامريكية

التسليم بتحرير محافظة مأرب وحقل صافر النفطي ضمنا، مقابل ضمانات من حكومة صنعاء بوقف التقدم، والاكتفاء بالمكتسبات التي حققتها، والدخول في محادثات سلام تهدف لتقسيم اليمن.

عدم التسليم بتحرير صنعاء لمأرب، وهنا أربع احتمالات:

1. الدفع باتجاه التعويض، عبر شن هجوم على الحديدة للسيطرة عليها، وهذا يتطلب موارد بشرية ومادية ولوجستية كبيرة، لا يبدو أنها متوفرة اليوم، ولا يمكن توفيرها على عجل.

2. التدخل المباشر عبر سلاح الجو الأميركي لوقف تقدم صنعاء الى مدينة مأرب وحقل صافر، ما يعرّض القواعد العسكرية الامريكية في السعودية للمخاطر المتأتية من الصواريخ اليمنية.

3. استدراج الجيش واللجان الشعبية الى حرب شوارع في مأرب، وعبر خطوط المواصلات العسكرية والمدنية باستخدام عناصر القاعدة وغيرها من التنظيمات المتطرفة.

4. تقديم مقايضة، تقضي بوقف الهجوم على مأرب مقابل رفع الحصار.

هدفت الحركة الدبلوماسية الامريكية والاممية الملحقة بها تجاه المسألة اليمنية، في جزء كبير منها الى منع الجيش واللجان الشعبية من تحرير مأرب، أو عرقلة وإبطاء العمليات العسكرية، وهي تبدو حركة بائسة ويائسة، بسبب تسارع انتصارات الجيش واللجان الشعبية، بعد قيامهم بمناورة التفافية واسعة، لوضع مأرب بين كفي كماشة عسكرية تمهيدا لتحريرها. أدى ذلك لتضييق مساحة الخيارات الامريكية اتجاه حكومة صنعاء، التي تدرك حدود القوة الامريكية في اليمن، فالمواجهة العسكرية الامريكية المباشرة وإن تم حصرها بسلاح الجو مع حكومة صنعاء تبدو ضعيفة الاحتمال، ولا تبدو جبهة الحديدة جاهزة للاشتعال، بسبب الخلافات البينية في معسكر حراس الجمهورية بين التهاميين والمكتب السياسي للمقاومة الوطنية التابع لطارق صالح، الذي لا يريد أن يستنزف ميلشياته في مواجهة قوات صنعاء، الذي سوف يستفيد منه حزب الإصلاح بالتأكيد، كذلك كونه جزء من مشروع كيان فيدرالي في الساحل الغربي، بينما تعد مأرب مدينة متوسطة الحجم مبنية أفقيا، ولا تصلح لحرب شوارع طويلة الأمد، بالإضافة الى أنه لا تبدو فكرة مقايضة إيقاف الهجوم لتحرير مأرب مقابل رفع الحصار بالكامل عن مناطق سيطرة صنعاء واردة عند الطرفين.

 في المقابل، تبدو حظوظ التسليم الأميركي بتحرير محافظة مأرب، ضمنا حقل صافر النفطي كبيرة بسبب عدم وجود إمكانية فعالة لإيقاف اندفاع قوات صنعاء في هذا الاتجاه، وضعف قدرة وكلاء الولايات المتحدة الإقليميين، وأدواتهم من المليشيات المحلية أمام فعالية حكومة صنعاء والقوات المسلحة اليمنية بجناحيها الجيش واللجان الشعبية.


الكاتب: غرفة التحرير