الأربعاء 29 كانون الاول , 2021

عالم تجاري آخر بعيد عن هيمنة واشنطن!

لعبت نظرية الأدميرال الأميركي ألفريد ماهان دوراً فاعلاً في نمو مدى ارتباط زيادة الأساطيل البحرية للدول بتعاظم نفوذها الجيوسياسي، إضافة إلى صعود الولايات المتحدة كقوة عظمى، وهي نظرية "قوة البحار". فبعد قيام واشنطن بشق قناة بنما وفتح مسار تجاري جديد، سيطرت على كوبا ثم الفلبين، الأمر الذي سمح لها تدريجياً بالسيطرة على ممرات التجارة. فيما يمكن اعتبار حرب 1956 -حرب السويس- وأزمة كوبا عام 1962 هي آخر المحاولات التي قامت بها القوى العالمية في سبيل مشاركة الولايات المتحدة في السيطرة على الممرات المائية الدولية.

هذه السيطرة على الممرات، ساعد واشنطن بإحكام القبضة على التجارة العالمية وحشد مجموعة كبيرة من الدول تحت عباءتها. الا ان النمو التجاري الصيني المتسارع، دفعها لمحاولة صناعة ممرات تجارية بديلة، وزادت تلك التطلعات بعيد أحداث عام 1993، مع إحدى السفن الصينية التي احتجزتها البحرية الأميركية وفتشتها بذريعة نقل مواد نووية للجمهورية الإسلامية. واعتبرتها الصين مسألة تمس أمنها القومي بشكل مباشر.

حاولت الصين بداية فتح ممرات مائية في كل من تايلاند ونيكارغوا، لتجنب المرور في مضيق ملقا وبنما لكن ذلك لم ينجح لتبعية هذه الدول للولايات المتحدة. لكنها نجحت في تدشين مشروع جوادر الذي يربط ما بين غرب الصين ببحر العرب في باكستان، كما استطاعت أيضاً تسيير أول رحلة قطار ما بين بكين إلى لندن عبر خط يمر بـ8 دول من بينها روسيا، ومسافة تصل إلى 12 ألف كيلومتر.

 عمدت الكثير من الدول إلى تبني هذه السياسات، بعدما بلغ "الابتزاز" الأميركي أوجه مطلع القرن الماضي بعيد أحداث 11 أيلول 2001. حيث شهد العالم في السنوات الماضية شبكة اتصال تجارية دولية تربط عدداً كبيراً من الدول مع بعضها البعض بعيداً عن الهيمنة الأميركية بشكل أو بآخر. ومن أبرز هذه الدول الصين وإيران وتركيا وروسيا...

طريق الحرير الحديدي

عام 2007 تم افتتاح خط سكك يربط ببين تركيا بالدول المجاورة لبحر قزوين بدعم من أذربيجان والصين التي رغبت بالاندماج أيضاً بذلك الخط عبر تمديد سكك من غرب الصين إلى كازاخستان لتعبر الشحنات التجارية الصينية إلى بحر قزوين بواسطة عبّارات إلى أذربيجان، ثم استكمال طريقها إلى تركيا. كما دخلت بكين بمفاوضات مع أنقرة لاستكمال المرحلة الثانية من المشروع بهدف ربط سكك حديد قارص بمدينة أدرنة المحاذية للحدود البلغارية. كما دشنت تركيا سكك حديد تربط إسطنبول بصوفيا ثم إلى بلغراد، حيث ستستفيد الصين عندها بنقلها بضائعها إلى أوروبا خلال 15 يوماً بدلا من 45 يوماً، بعد استكمال الخط الذي يوصل صربيا بالمجر.

إيران همزة وصل ومحط أنظار

مؤخراً، انطلقت الرحلة الأولى على خط قطار إسلام أباد-طهران-إسطنبول، عبر قطار انطلق من محطة "مارغالا" في العاصمة الباكستانية بعد توقف دام 10 سنوات ودخل إلى الأراضي الإيرانية عن طريق حدود ميرجاوة السككية. ويشكل هذا الخط المعترف به من قبل الأمم المتحدة عام 2009 ممراً دولياً يربط بين كل من باكستان وتركيا عبر إيران، حيث يستهدف خفض مسافة وزمن نقل السلع بين إسطنبول وإسلام آباد. وتبلغ مسافة الخط الحديدي في المشروع المذكور 6 آلاف و543 كيلومترا، من ضمنه 1990 كلم في باكستان و2603 كلم في إيران و1950 كلم في تركيا. حيث يمكن لهذا القطار اجتياز هذه المسافة خلال 13 يوماً، ثم سيجري تخفيضها إلى 11.5 يوماً، بعدما كان يستغرق شحن البضائع من الدول الأوروبية إلى باكستان عن الطريق البحري حوالي 45 يوماً. وتبلغ الطاقة الاستيعابية للقطار 20 عربة تحمل حاويات بطول 40 قدماً.

عام 2018 قامت طهران بإنهاء النزاع التاريخي فيما يخص الموارد النفطية في بحر قزوين، بعد قيامها بالتنازل عن بعض مطالبها، مما فتح الباب امام البدء بالمحادثات مع روسيا حول الربط التجاري بين موانئ القرم في البحر الأسود وبحر قزوين، عبر قناة الدون ونهر الفولجا وصولا إلى جسر القرم، ليتم عندها افتتاح سكك حديدية تربط إيران بالبحر الأسود.

كان من أهم المساعي الإيرانية أيضاً، تسارع مد خط الغاز في بحر قزوين من تركمنستان إلى أذربيجان ليشكل رافداً آخراً لمشروع تصدير نفط مناطق وسط آسيا إلى الدول الأوروبية عبر الأراضي التركية.

من جهة أخرى، افتتحت الصين خط سكك حديد يربطها مع الجمهورية الإسلامية عبر دول القوقاز، إضافة لافتتاح طهران خط سكك حديد إلى أذربيجان ليكون بذلك قد التحم خط "طريق الحرير" الحديدي، وهو ما يمهد لربط إيران نفسها مع كل من الصين والدول الأوروبية عبر هذه الشبكة، وما يترتب عليها من تخفيف تكلفة الشحن وزمن نقل البضائع.

الأمر نفسه بالنسبة لمضيق البسفور وقناة إسطنبول، حيث تتضافر الجهود من قبل دول وسط آسيا، لنقل تجارتها من بحر العرب والخليج الفارسي إلى البحر الأسود، للاستفادة من هامش نضوب النفوذ الأميركي في تلك المنطقة.

يشهد العالم بأسره تغيرات جيوستراتيجية هي نتيجة حتمية لكل الأحداث التي شهدتها العقود الماضية. فالظروف التي أوصلت الإدارة الأميركية الجديدة لقناعة الانسحاب من أفغانستان والعراق إضافة لضرورة العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران أو الذهاب لفرض عقوبات جديدة عليها رغم علمها بفشل هذه السياسة، هي نفسها التي عززت مكانة كل من الصين وروسيا وإيران في العالم الجديد. فاليوم، لم يعد الخيار العسكري مطروحاً كما لو كان قبل سنوات، والدول التي كانت ترهبها الولايات المتحدة بالعقوبات الاقتصادية هي الآن شريكة في القرار والسياسة الدولية، وحاضرة بقوة في كافة المجالات، ضمن جبهة واحدة لناحية التبادل التجاري الموحد، وتمهيد الطريق أمام الانفتاح العالمي. فكيف ستواجه الولايات المتحدة هذا العالم الجديد الذي يُبنى بعيداً عن نفوذها؟


الكاتب: غرفة التحرير