الإثنين 30 أيار , 2022

مسيرة الاعلام وفرض المعادلات!

مسيرة الأعلام

فرض المعادلات في أي قضية، يتطلب تحقيق ثلاثة شروط مهمة، أولها استعداد الخصم للتنازل تحت الضغط، وكلما قل استعداد الخصم لتقديم تنازل سيتضاعف القدر المطلوب من الضغط لفرض المعادلة، وثانيها القدرة على تحقيق الضغط المطلوب بشكل مستمر وليس بشكل متقطع أو موسمي، وثالثها توازن مقدار التكلفة المطلوبة للضغط مع النتائج المرجو تحقيقها من المعادلة.
مسيرة الأعلام بالأمس بالنسبة للعدو كان أمرا غير قابل للتنازل المقبول، سواءً على صعيد المزاج الشعبي العارم الذي يطمح الى فرض وقائع جديدة على الأرض، لا أن يتراجع عن وقائع باتت ثابتة ومفروضة، مع شعور الجمهور بالتحدي الوجودي للسيادة على الأرض، وكذلك على صعيد التركيب السياسي القائم، الذي يعني انتهاء المستقبل السياسي لبينت حال ضغط بوقف هذا التقليد السنوي وظهر بصورة الخائف من تهديدات غزة.
اما بالنسبة لغزة فعلينا أن نفهم قاعدة مهمة جدا، وهي أن الرد شيء وفرض المعادلات شيء مختلف تماما، فلربما كانت غزة قادرة على توجيه ضربة للعدو، لكن تأثيرها وقدرتها في تثبيت المعادلة يتطلب قدرا أكبر بكثير من توجيه ضربة مركزة، الأمر يتطلب توجيه قدر مستمر ومتواصل
من الأذى والضغط على الجمهور الصهيوني، يجعله مرتعبا وخائفا ليس في وقت الحرب بل في وقت السلم، وهنا جوهر الضغط المطلوب، وهذا يفسر كيف أن معركة بحجم سيف القدس لم تمنع عودة العدو لتنظيم المسيرة وتنفيذها.
غزة مؤهلة للرد لكنها ولموقعها الجغرافي والعسكري غير مؤهلة لتثبيت معادلة واضحة بالخصوص، الضفة والداخل وحدهما المؤهلتين بشكل كبير
لفرض معادلة تجعل المستوطنين يترددون كثيرا، من هول ما سيواجهونه من فقدان الأمن الشخصي في ضواحي وشوارع تل أبيب ومستوطنات الضفة، ليس أياما محددة ومعدودة أو حتى شهر أو شهرين، بل في كل لحظة ودقيقة سيفتقد الصهاينة شعورهم بالأمن، وسيشعرون بحجم الإرهاق النفسي والتكلفة الباهظة لعنجهيتهم ونزقهم واستفزازهم اللامسؤول، وسيتشكل رأي عام من داخلهم يحملهم المسؤولية للراحة المفتقدة والأمن المهدد والخوف المستدام، وغزة لم تقصر لحظة في محاولات انعاش هائلة لجبهة الضفة والداخل وانخراطهما في المعركة بالشكل اللائق والمناسب.
اما على صعيد توازن التكلفة مع النتائج، فإن التكلفة المتوقعة عالية وبشكل كبير، ليس خوفا من الدمار أو الخسائر والتضحيات، لكن لأن التكلفة ستكون مقابل انجاز رد مؤقت وليس مقابل فرض وتثبيت معادلة مستدامة، وهذه التكلفة ستصبح مطلوبة بشكل سنوي وهو ما يفوق قدرة الميدان على مراكمة السلاح، ويثقل كاهل المجتمع في ضريبة التضحية.
ثم هناك شيء آخر مهم جدا في حسبة التكلفة، وهو أن مسيرة الأعلام مجرد معركة هامشية مقارنة بمعارك أخرى هامة ومصيرية، تحتاج أن يكون السلاح حاضرا ومتجهزا لها، كتغيير وقائع السيادة في القدس والاقصى، وكملفات الأسرى والاستيطان والمخيمات، بل وحفظ قواعد الاشتباك في غزة نفسها، إن تصريف السلاح المشتق من العدم والمستحيل في معارك ربما تكون مهمة لكن ليست جوهرية، هو اهدار للسلاح واضعاف لقدرة المقاومة
تتقدم فيه العاطفة على الحكمة ليس أكثر.
يغيب عن الكثير مفارقة كبيرة وواضحة بين أحداث سيف القدس ومسيرة الاعلام، في سيف القدس كان جزء من حسابات تكلفتها عملية أسر تم الاعداد والتجهيز لها على مدار سنوات، كانت نتائجها لو قدر لها النجاح الذي كان متوقعا، ستجعل كل تكلفة المعركة أقل من نتائجها، حيث تفرض معادلة مستدامة في قضية جوهرية وهي قضية الاسرى كأحد الثوابت الوطنية، كذلك سيف القدس لم تكن استجابة لمسيرة الأعلام بل لمحاولة فرض وقائع جديدة في القدس تمثلت في احداث الشيخ جراح وباب العامود، وقد نجحت المعركة في كبح جماح العدو الصهيوني عن الاسترسال المتسارع في تغيير الوقائع على الأرض.
إن الرد على جريمة الأمس ما زال مطلوبا ومهما، وكل الحكاية أنه ليس شرطا على الاطلاق أن يكون صاروخا من غزة، وإن كثيرا من اللبس النفسي في جمهور المقاومة، ليس نتاج اهتزاز الثقة بالمقاومة وصدقها، لكن ثمة تصريحات كان ينبغي أن تصاغ بغير الذي به صيغت..!

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع


الكاتب: أحمد سلامة