الجمعة 19 آب , 2022

الدولار الجمركي: كارثة اقتصادية ومعيشية!

لبنان

تأخذ الأزمة الاقتصادية والمعيشية كل فترة على الشعب اللبناني شكلاً جديداً، فما بدأ بانهيار العملة الوطنية أمام الدولار الأمريكي وفقدان القيمة الشرائية للرواتب منذ نهاية العام 2019 تنسحب تداعياته الى الأصعدة كافة، مرّة بمواد أولية ومشتقات نفطية وأدوية باتت رهينة تقلّب سعر صرف الليرة اللبنانية وفروقاتها بين منصة الصيرفة الصادرة عن المصرف المركزي وبين السوق السوداء واحتكارات السوق وكرتيلاته.

اليوم، وعلى الرغم من أن رفع الدولار الجمركي على السلع المستوردة من 1500 ليرة للدولار الواحد الى 20 ألف ليرة ليس بعد قراراً نهائياً لدى الجهات اللبنانية الرسمية، الا أن التداول به يضع أمام المواطن اللبناني العديد من الإشكاليات التي تحمل تداعياتها على حياته اليومية من جهة، كما يضع علامات الاستفهام حول وضع السوق التجاري والمالي في البلد.

تهدف هذه الزيادة الكبيرة الى إدخال مزيدٍ من العائدات والأرباح على خزينة الدولة تسمح لها بتغطية نفقاتها وخاصة رواتب وأجور القطاع العام الذي حافظ على وجود طبقة وسطى في لبنان. الا أنه وفي ظل غياب الرقابة والثقة فيها والضبط بالقدر الكافي من قِبَل الوزارات وأجهزة الدولة المعنية ستُرى التداعيات السلبية لهذه الزيادة في الأسواق اللبنانية.  

شرح الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور محمود جباعي، في حديثه مع موقع "الخنادق"، أن "رفع الدولار الجمركي مرّة واحد من 1500 الى 20 ألف يعني مضاعفة الرسم الجمركي 13 ضعفاً، وهذا سيؤدي حكماً الى زيادة كبيرة وملحوظة في أسعار السلع. ثمّ سينعكس هذا الارتفاع على أسعار سلسلة من السلع بحجة أن السلع الخاضعة للرسم الجمركي الجديد تدخل في إنتاج أو تؤثر على كلفة إنتاج سلعٍ أخرى".  

كذلك، أوضح د. جباعي أن "زيادة أسعار السلع تخضع أيضاً لإضافة الضريبة على القيمة المضافة اذ أنها في لبنان تضاف الى سعر السلعة بعد احتساب الرسم الجمركي، فتلقائياً سترتفع أسعار السلع بنسبة 20 الى 50% بالحد الأدنى". لافتاً الى أن هذه النسبة تراعي وجود الرقابة أما بغيابها كلياً فمن المتوقع أن تتخطى نسبة زيادة الأسعار الـ 100%.

يرى د. جباعي أن "القدرة الشرائية للمواطن وخاصة موظفي القطاع العام والخاص الذين يتقاضون أجورهم بالليرة اللبنانية لن تتحمّل هذا الدولار الجمركي"، مما يوجب على الدولة "مناقشة الحد الأدنى للأجور من جهة، وتعديل الدولار المصرفي، فليس من المنطق أن تكون السحوبات المصرفية على سعر صرف 8000 للدولار الواحد بينما الدولار الجمركي 20 ألف ليرة للدولار الواحد".

وحذّر د. جباعي من "كارثة اقتصادية" أن لم تستفد الدولة وخزينتها فعلياً من عائدات الدولار الجمركي وأن يكون المواطن وحده من دفع الثمن من جيبه، اذ "لا يوجد دراسة حقيقة وواقعية تحسب الأرباح والعائدات بل قدّمت وزارة الاقتصاد توقعاً مفاده بأن المبلغ المالي للعائدات يمكن أن يصل الى 14 ألف مليار ليرة، لكنه يبقى رقماً غير ثابت وغير مؤكد أساساً لأسباب مهمة":

أولاً، إن رفع الرسم الجمركي سيؤثر مباشرةً على استقدام السلع من الخارج بمعنى أن بعض السلع إذ خضعت لهذا الرسم الجمركي الجديد وارتفع سعرها سينخفض الطلب عليها في المرحلة المقبلة، ما سيؤدي الى تراجع استيرادها، وبالتالي فإن حجم العائدات لن ينسجم مع توقعات الدولة. فاذا كنا نفترض أن ألف قطعة ستدخل من سلعة معينة يمكن لهذه الكمية أن تنخفض الى 300 قطعة.

وعلى سبيل المثال لا الحصر قد ينطبق هذا الحديث على تجارة السيارات والأدوات الكهربائية التي ستعتبر سلعاً كمالية في المرحلة القادمة قد يستغني عنها المستهلك اللبناني. وفي النتيجة يكون لبنان على موعد مع انكماش اقتصادي في بعض القطاعات.

ثانياً، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة الصارمة فإن البلد مكشوف أمام التهريب براً وبحراً، فمثلاً قد تُدخِل بعض الشركات السلع المهّربة وتبيعيها بسعر السوق نفسه (الذي يراعي في زيادة الأسعار دفع الرسم الجمركي الجديد) بينما لا تستفيد الدولة من عائداتها.

ورقة الدولار الجمركي ليس يتيمة بيد الدولة لسدّ عجزها وحاجتها المالية، فهي تمتلك العديد من أبواب مصادر العائدات. يرى د. جباعي أنه يمكن رفع الدولار الجمركي بنسبة بسيطة تتناسب مع الأجور الحالية بالتزامن مع رفع الرسوم على الأملاك البحرية على سعر صيرفة محدد ومع رفع الضرائب على الطائرات القادمة من الخارج وغيرها الكثير من الخيارات التي يمكن تحقيقها من خلال معالجة داخلية من داخل الوزارات ومؤسسات الدولة، متطرقاً الى النموذج الذي قدّمه وزير الأشغال العامة والنقل في حكومة تصريف الأعمال الدكتور علي حمية.     

في الخلاصة، "كمراقبين اقتصاديين لا نعارض رفع الدولار الجمركي إنما يجب أن يكون تدريجياً بدءً مثلاً من 8000 او 12000 لإحتواء التداعيات، وضمن خطة مدروسة تسمح بالرقابة والضبط ودراسة معمّقة تعطي بدقة حجم العائدات وتشرح كيفية توزيعها في النفقات العامة خاصة على الرواتب والأجور".


الكاتب: مروة ناصر