الإثنين 19 أيلول , 2022

فرنسا ومحاولات الخروج من العباءة الأميركية

ماكرون وبايدن

على عدّة مستويات، تتحرّك فرنسا محاولةً استعادة ريادتها التي فقدتها لصالح الولايات المتّحدة، بعد انتهاء الحرب العالميّة الثانية. وفي حين تحاول باريس التمايز عن السياق الأوروبي إلا أن هامش حركتها يبقى محدودًا، فسرعان ما تعيدها واشنطن إلى بيت الطاعة الأميركيّة. الأسباب هنا عديدة ومتشعّبة، وأوّلها توغّل الإرادة الأميركيّة في عصب السياسة الفرنسيّة، إلى الحدّ الذي يجعل الحديث عن استقلاليّة القرار في باريس شكليًّا إلى حدٍّ بعيد. الفشل الذّريع لفرنسا في القارّة الأفريقيّة، وانعدام تأثيرها في دول المنطقة، بالإضافة إلى بقائها في معسكر الناتو، وانضوائها في نادي الدول الداعمة لأوكرانيا رغم المناورات التي تقوم بها من وقتٍ إلى آخر، كل ذلك يدلّل على أن فرنسا لا تزال تدور في فلك الولايات المتّحدة. فما هي المساعي الفرنسيّة للتحرّر من القرار الأميركي؟ وأسباب فشلها؟

بين مساعي التوازن وعوامل الهيمنة

عرفت العلاقات بين فرنسا والولايات المتحدة فترات من المدّ والجزر. لكن منذ النصف الثاني من القرن العشرين، أصبحت العلاقات أكثر نشاطًا بسبب انخراط واشنطن في أوروبا على المستويات كافة. بالنسبة للمجتمع الفرنسي، لم يكن لديه مشاعر ودّية تجاه الشريك الأطلسي. أصول الجفاء الشعبي في فرنسا حيال أميركا تعود إلى التنافس العالمي بين البلدين بالدرجة الأولى، وإلى انحياز المستعمرات الأميركيّة إلى جانب بريطانيا العظمى ضد فرنسا في الحرب الهندية (1689 - 1760)، وقد بقي البلدين في نزاع إلى حين توقيع معاهدة التحالف عام 1778. وفي عام 1803 أدّت صفقة لويزيانا إلى تعقيد العلاقات بين الطرفين، لتشكّل صورة "النفاق الأميركي" بالنسبة لفرنسا، فقد فهمت باريس منذ ذلك الحين حقيقة الشعارت الأميركيّة: الديمقراطيّة والليبراليّة الاقتصاديّة.

برز التقدير للولايات المتّحدة في المجتمع الفرنسي، بسبب هبوط قوات الحلفاء في نورماندي عام 1944، والذي أنهى احتلال فرنسا. ولكن في نفس الوقت، منذ تلك اللحظة فصاعدًا، تنامى العداء للهيمنة الأميركيّة. وليس من قبيل المصادفة أن مصطلح "العداء لأميركا"، أصبح في النصف الثاني من الأربعينيّات متداولًا في الأدبيّات الفرنسيّة. مرد ذلك يعود أن الولايات المتّحدة وبريطانيا لم ترغبا في قبول فرنسا ضمن الدول الفائزة في الحرب، ما أثار حفيظة الجنرال ديغول الذي عُرف بجفائه حيال واشنطن ولندن.

بدأ القرن الحالي بتعاطف فرنسا مع الولايات المتحدة، إثر حادثة تفجير برجي التجارة العالميين في نيويورك في 11 أيلول/ سبتمبر 2001. في ذلك الحين، نشرت صحيفة Le monde الفرنسية مقالة بعنوان "كلنا أميركيون" لقيت رواجًا واسعًا في مختلف أنحاء العالم. ثم عاد التوتّر إلى العلاقات الأميركيّة الفرنسيّة في 2002-2003، ومع غزو الولايات المتّحدة للعراق، أجمع المسؤولون الفرنسيّون على رفض الحرب. الموقف الفرنسي بشأن العراق عكس اختلافات عميقة بين الولايات المتّحدة وفرنسا حول مبادئ النظام العالمي. وفي خطٍ موازٍ، زاد "الرّهاب الأميركي حيال الفرنسيين بسبب مجموعة عوامل أبرزها: معارضة الفرنسيين للعمل الانفرادي الذي يثير الشّكوك، والمشروع العالمي الفرنسي الذي يقوم على أفكار مبدأ تعدّد الأقطاب". 

شكّل قرار الرئيس السابق نيكولا ساركوزي بعودة فرنسا لحلف الأطلسي عام 2009 تحوّلًا في العلاقات الفرنسيّة الأميركيّة، إذ مثّل إعلان إفلاس الفكر الديجولي الاستقلالي. مع العلم أن فرنسا في عهد ساركوزي حظيت بدعم أميركي لإسقاط نظام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي عام 2011، لكنها فشلت في مهمّة ضبط الوضع في هذا البلد الذي انزلق إلى الفوضى والحرب الأهليّة وتصدير الإرهاب حتى الآن، وأعاد ذلك التذكير بالفشل الفرنسي الأقدم عندما هُزمت فرنسا في الهند الصينية رغم الدعم الأمريكي لها. وهذا ما يدل على أن الولايات المتحدة تدفع فرنسا إلى الواجهة في الساحات التي لا ترغب في الوجود المباشر بها، مثل الساحة الليبيّة، لتحقيق مصالح واشنطن بالدرجة الأولى، وتحصيل مكتسبات لفرنسا إلى حدّ ما، فبعدما كانت باريس تتمتع بالريادة لوقت طويل أصبحت أداةً بيد الإدارة الأميركيّة. 

في عام 2018، توتّرت العلاقات الأميركيّة الفرنسيّة في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خاصّة بعد زيادة التعريفات الجمركيّة على الصلب والألومنيوم. حمل الرئيس الفرنسي ملف التعريفات الجمركيّة إلى جانب قضايا أخرى وطار بها إلى الولايات المتّحدة، إلا أن زيارته باءت بالفشل ولم تسفر عن حلول للملفات العالقة بين الطرفين.  في العام نفسه، دعا ماكرون إلى تشكيل "جيش أوروبي حقيقي". وقال: "لن نحمي الأوروبيين إذا لم نقرر أن يكون لدينا جيش أوروبي حقيقي، في مواجهة روسيا الواقعة على حدودنا والتي أظهرت أنها يمكن أن تشكل تهديدًا (...) يجب أن تكون لدينا أوروبا تدافع عن نفسها بمفردها، دون الاعتماد فقط على الولايات المتحدة وبطريقة أكثر سيادة".

باختصار، ترتبط معاداة الولايات المتّحدة في فرنسا بالديغوليّة والسيادة. بمعنى أوضح، تركت السياسة الخارجيّة للجنرال ديغول ملامحها على فرنسا، فبالنسبة لليمين كما لليسار يصرّ العديد من السياسيين على أهميّة عدم فقدان السيطرة على سيادة البلاد ومصيرها. ينتقد الفرنسيون الليبراليّة الأميركيّة بالنظر إلى أنها لا تفي بمثلها العليا. تهمة النفاق هذه مدعومة بأدلّة في مجالات التجارة، والبيئة، ومساعدات التنمية وحقوق الإنسان والسياسة الخارجية (خاصة في الشرق الأوسط). وهو موقف عبّر عنه الممثل الدائم السابق لفرنسا لدى الأمم المتحدة، جيرارد هارو، في قوله: "على مدى السنوات الثلاثين الماضية، كانت واشنطن تتدخّل بنشاط كبير في شؤون الدول الأخرى، معلنةً نفسها منارةً للحرّية، بينما في الواقع يمكن اعتبار ذلك محاولة لإحياء السياسة الاستعمارية".

إخفاقات فرنسا في الخروج من الهيمنة الأميركيّة

رغم إدانة فرنسا العمليّة العسكريّة الروسيّة في أوكرانيا، عاد الرئيس إيمانويل ماكرون عن رأيه ليأخذ موقفًا أكثر اعتدالًا، فأكّد "ألا تتعرّض روسيا للإهانة حتى يتسنّى إيجاد حل دبلوماسي عندما يتوقّف القتال في أوكرانيا" معلنًا أن "باريس ستلعب دور الوساطة لإنهاء الصراع. حصل ذلك في الوقت الذي تدفع الولايات المتحدة فرنسا لتكون طرفًا في الحرب إلى جانب أوكرانيا لا وسيطًا لإنهاء الصراع. في أعقاب فرض عقوبات على روسيا، كشفت وكالة Bloomberg أنه "هناك 10 مشترين للغاز الروسي في أوروبا فتحوا بالفعل حسابات في بنك غازبروم لسداد ثمن إمدادات الوقود الأزرق الروسي بالروبل، فيما دفع أربعة مشترين أوروبيين للغاز مقابل الإمدادات". معلومات Bloomberg جاءت في وقت شاعت فيه أنباء عن أن فرنسا من ضمن الدول التي اشترت النفط الروسي بالروبل، وهو ما يعكسه تغيّر الخطاب الفرنسي تجاه روسيا. الأمر ينسحب كذلك على 9 دول أوروبيّة أخرى تماثل الحالة الفرنسيّة في رغبة التحلّل من الإرادة الأميركيّة، أقلّه في مواقفها من الحرب الأوكرانيّة، لما لها من تداعيات على أمنها القومي، خاصّة في ظل استعار أسعار الطاقة.

في اتجاهٍ آخر، تعتزم فرنسا نشر اللغة الفرنسيّة، في محاولة لإعادة إحياء ثقافتها على مستوى العالم. فوفقاً لموقع politico الأميركي، خصّصت الحكومة الفرنسيّة الأموال لتقديم المزيد من دروس اللغة الفرنسيّة لموظّفي الخدمة المدنيّة في الاتّحاد الأوروبي، لاستضافة المناظرات باللغة الفرنسية. وهي خطوة دفعت محللون للقول إن فرنسا تخطّط لاستخدام رئاستها الأولى للاتحاد الأوروبي لدفع لغتها الأم كي تكون "لغة مشتركة" في بروكسل. لكن لغاية اليوم لم يُنفّذ القرار ولا يعدو كونه أكثر من اقتراح، يبدو أنه رُفض من قبل الاتحاد الأوروبي.

وفي سياق مساعيها لنشر الثقافة الفرنسيّة، قرّرت فرنسا "مضاعفة دعمها المالي للمدارس المسيحية في الشرق". الصندوق الذي أنشئ في كانون الثاني/يناير 2020 دعم في العام 2021 ما مجموعه 174 مدرسة بينها 129 في لبنان، و16 في مصر، و13 في الأراضي الفلسطينية و3 في الأردن.

بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، طار الرئيس الفرنسي إلى بيروت على وجه السرعة، ليكن أول رئيس أوروبي يزور لبنان بعد الانفجار. استقبله جزء من اللبنانيين بحفاوة، واشتكوا له فساد الطبقة السياسيّة الحاكمة. استحضر ماكرون دور أسلافه فحاول استعادة الدور الفرنسي في لبنان، ودعا إلى "تغيير عميق من جانب القيادة اللبنانيّة. لم تأت دعوات ماكرون أُكلها، ولم تُذكر مطالبه، حتى الذين ارتموا بأحضانه في لحظات انكسارٍ لم يسمعوه.  بعد أقل من شهر، عاد ماكرون إلى لبنان، والتقى مع الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس البرلمان نبيه بري في القصر الرئاسي بحضور كبار المسؤولين ورؤساء كتل برلمانية وسفراء". حينها أطلق مواقف بارزة خصوصًا فيما يتعلّق بتشكيل حكومة بمهمّة محدّدة في أسرع وقت. والحال نفسها، الحكومة لم تتشكّل.

ضمن سلسلة زيارات إلى القارة الأفريقيّة، جاء ماكرون إلى الجزائر في ثاني زيارةٍ له، منذ عام 2017. الزيارة جرت في ظل تفاقم أزمة الطاقة في أوروبا، وبالتزامن مع زيارات قام بها الرئيس الفرنسي إلى القارة الأفريقيّة. ورغم إعلان الصحف الفرنسيّة عن اتفاق "شراكة متجدّدة" بين الجانبين الفرنسي والجزائري، الواقع أن الزيارة لم تحقّق أهدافها ولم تسفر عن توقيع أيّة اتفاقيّات اقتصاديّة أو سياسيّة ولم تخرج حتى بمذكرات تفاهم، واقتصر الأمر على نقاشات بشأن نقاط لا تزال موضع خلاف بالنسبة لكلا الطرفين.

خسرت فرنسا مالي وتشاد والسينغال والنيجر التي تمثل سوق الأورانيوم بالنسبة لها. فلم يتوقّع أحد أن تجرؤ مالي مثلًا، على "طرد السفير الفرنسي من بلادها"، أو أن يخرُج متظاهرون في بوركينا فاسو "يرفعون شعاراتٍ تتّهم فرنسا برعاية الإرهاب وقيادة الانقلابات في أفريقيا". أكثر من ذلك، لم تشهد العلاقات الفرنسيّة بمنطقة شمال إفريقيا من قبل مثل هذا التراجع الذي شهدته خلال السنوات الأخيرة، سواء مع الجزائر والمغرب وتونس أو مع دول الساحل التي تتهم باريس بالفشل في مكافحة الجماعات الجهاديّة. فقد تباعدت الشراكات واختفت المصالح مع الدول الأفريقيّة الناطقة بالفرنسيّة شيئًا فشيئًا، لا سيما انسحاب القوات الفرنسيّة من مالي أو تراجع النفوذ الاقتصادي الفرنسي لصالح الصين، وتنامي الحضور الروسي. وفي تفسيره لهذه الصفعة الاستراتيجية لفرنسا، يقول البروفيسور محمد الشريف فرجاني، أستاذ العلوم السياسيّة والدراسات الإسلاميّة في جامعة lyon: إن "أول هذه الأسباب هي سياسات الليبرالية الجديدة، التي فرضها صندوق النقد الدولي والمؤسّسات المالية منذ ثمانينيّات القرن الماضي، على البلدان الأفريقيّة، وعلى غيرها من بلدان الجنوب، تحت اسم الإصلاحات الهيكليّة والانفتاح، وفي علاقة مع هذه السياسات تم إجبار الدول على التخلّي عن دورها الاجتماعي، وهذا كله لم تفهمه ولا تريد أن تفهمه فرنسا والولايات المتحدة ".

في 15 أيلول 2022، أنهت أستراليا من جانب واحد صفقة عسكرية مع فرنسا كان بموجبها أن تقوم شركة بناء السفن الفرنسية بتزويد أستراليا بـ 12 غواصة تعمل بالديزل والكهرباء من طراز Barracuda. مقابل ذلك، أعلن قادة الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا عن إنشاء شراكة جديدة في مجال الدفاع والأمن .AUKUS  أثار سلوك الولايات المتحدة وبريطانيا اللتان تقفان خلف القرار، غضب الفرنسيين لدرجة أن الرئيس إيمانويل ماكرون ألغى زيارته للاحتفالات في الولايات المتحدة بمناسبة الذكرى الـ 250 لـ معركة Chesapeake ، ورأى أن سلوك الحلفاء إهانة شخصيّة. فبحسب الرئيس الفرنسي "تعرضت فرنسا للخيانة ولم تتم (استشارتنا رغم أننا طرف معني). هذا يدل على أن فرنسا يجب أن تعيش بمفردها ". علاوةً على ذلك، وصف الرئيس ماكرون اعتراض الأمريكيين للعقد الثاني بمليارات الدولارات بأنه ليس أكثر من "طعنة في الظهر"، مؤكدًا أن "واشنطن خططت لتعطيل الصفقة بين أستراليا وفرنسا قبل وقت طويل من الإنشاء الرسمي لتحالف AUKUS ولذلك فإن بقاء فرنسا في الناتو ومستقبل الحلف مهدد الآن".

الهيمنة الأميركيّة على أوروبا

بنت الولايات المتّحدة شبكات معقّدة مع أوروبا، أتاحت لواشنطن مع مرور الزمن الاستحواذ على القرار الأوروبي، حتى باتت القارة العجوز تابعة لها على المستوى الاقتصادي والمالي والسياسي والعسكري والأمني. والحال نفسها بالنسبة لفرنسا، التي تشارك الاتحاد الأوروبي عمق الهيمنة الأميركيّة على صناعة القرارات الداخليّة إلى درجة كبيرة، وتحدّد نطاق نشاطها، لا سيما من خلال تقييد قوتها العسكرية وارتباطها بالناتو حصرًا، وفرض الرقابة الاقتصادية على شركاتها المحلية والسيطرة على الأسواق المالية والتجارية، وغيرها من السياسات. 

انخرطت الولايات المتّحدة تدريجيًا في الشؤون الأوروبيّة. فبعد نهاية الحرب العالميّة الأولى، أخذ رأس المال الأميركي في تطوير السوق الأوروبيّة بصورة متنامية، فضلًا عن أن ممثلي الدول الأوروبيّة تحوّلوا إلى مدينين للولايات المتّحدة بعد الحرب العالميّة الثانية، وبالأخص دول أوروبا الغربيّة. ونتيجةً لانهيار الاتحاد السوفياتي، عزّزت الولايات المتّحدة موقعها في أوروبا. ليس فقط ماليًا واقتصاديًا إنما أيضًا على المستوى العسكري والسياسي.

على المستوى الاقتصادي، وفقًا لبيانات Financial Times عام 2016 عزّز رأس المال الأمريكي مكانته في أوروبا. وخلافًا لآداء البنوك الأوروبيّة المتدهور، زادت أرباح البنوك الأميركيّة (جولدمان ساكس، ومورجان ستانلي، وبنك أوف أمريكا، وجي بي مورجان، وسيتي جروب). ووفقًا لشبكة CNN فقد غمرت العملة الأميركيّة أوروبا، وفي الوقت نفسه، يضع السياسيون في الاتحاد الأوروبي الاستثمارات الأميركية كمحرّك لاقتصادهم والمجتمع الأطلسي ككل. يضاف ذلك إلى نمو الاستثمارات الأميركية بوتيرة متصاعدة في أوروبا، إذ تمثّل ما لا يقل عن 50٪ من جميع الاستثمارات، بما في ذلك الاستثمارات المحليّة.

على المستوى السياسي، عقدت منظمات الضغط التابعة للولايات المتحدة اجتماعات مع أعضاء المفوضية الأوروبيّة أكثر من أي منظمة أخرى من نهاية عام 2014 إلى الوقت الحاضر. وفي هذه الاجتماعات مثّلت الجماعات بشكل مباشر مصالح الولايات المتحدة في أوروبا. فيما يتحدّث عدد من الخبراء أيضًا عن تأثير العديد من المستشارين الأميركيين على البرلمانيين الأوروبيين. على سبيل المثال، تشارك غرفة التجارة الأميركيّة في الاتحاد الأوروبي في مجموعات الخبراء وتناقش قضايا الزراعة والتجارة والتكنولوجيا، إلخ. بالإضافة إلى ذلك، فإن المنظمات غير الحكومية الأميركية مثل "هيومن رايتس ووتش" و"مركز الديمقراطية" تؤثر أيضًا على سياسة الاتحاد الأوروبي. مع الإشارة إلى أن الولايات المتّحدة لديها القدرة على التأثير في السياسة الأمنيّة في الاتحاد الأوروبي.

على المستوى العسكري، في عام 1949، بدا دخول الدول الأوروبية إلى الناتو NATO أمرًا منطقيًا، بذريعة تأمين الحماية مقابل الاتحاد السوفياتي. لذلك، وافقت فرنسا وبريطانيا وثماني دول أخرى في أوروبا الغربية على دعوة الفارانجيين الأمريكيين لحماية أراضيهم. لكن بعد أن تراجعت الحاجة إلى الحماية العسكريّة، بقيت القيود السياسية قائمة. وبالتالي بدا أن "الأهداف الأساسية للناتو التي صاغها الأمين العام الأول للمنظمة، هايستينغس إسماي هي "إبقاء أمريكا في الداخل وألمانيا أدناه وروسيا في الخارج (بمعنى أوروبا - عرض تقريبًا) - تظل دون تغيير". وحتى الآن لا يزال الناتو يمثل المؤسسة الرئيسة للوجود الأمريكي في أوروبا، وبه تم استبعاد إمكانية تحول الاتحاد الأوروبي إلى قطب مستقل للقوة، وظهور استقلال ذاتي استراتيجي للاتحاد الأوروبي. بصفته ضابط المخابرات العسكرية الفرنسي السابق ورئيس مركز أبحاث CF2R إريك دينيس يقول: "منذ عام 1991، لم تعد الناتو منظمة دفاعية، لكنها أصبحت أداة في يد الولايات المتحدة، مما يتسبب في إلحاق الضرر بكل من حلفائها ومعارضيها الأوروبيين.

الهيمنة الأميركيّة على فرنسا

تفرض الولايات المتحدة قوانينها الاقتصادية على فرنسا لا سيما من خلال فرض "العقوبات" على الشّركات والمصارف أو الاستحواذ عليها، كما تمارس التجسّس مع وكالة المخابرات المركزيّة ووكالة الأمن القومي. ذلك أن التجسّس الاقتصادي بعد قانون باتريوت، مهّد الطريق للاستخدام المكثف لأجهزة الاستخبارات والتجسّس، وسلّط الضوء على الفجوات بين عالم الاستخبارات والعالم السياسي والاقتصادي. تخضع فرنسا للهيمنة الاقتصاديّة الأميركيّة كمختلف الدول الأوروبيّة، وتتعرّض شركاتها التجارية للضغوط والعقوبات المالية، مثل تقييد نشاط شركة Sodexo، والعقوبات المالية ضد BNP-Paribas و Crédit Agricole و Société Générale وغيرها. أضف إلى ذلك الاستحواذ على النخب الفرنسيّة، والتأثير في المجال السياسي، والسّيطرة على عالم البحث والابتكار وظهور الشركات الاستشارية في الشؤون العامة، واستثمارات الأسهم المالية، هكذا تساهم الولايات المتحدة في إضعاف الاقتصاد الفرنسي.

بالنسبة للسّيطرة الاقتصاديّة، على سبيل المثال، "تم تغريم مصرف BNP-Paribas 9 مليارات دولار في عام 2014 لعدم احترامه الحظر المفروض على كوبا وإيران"، لكن منذ دفع هذه الغرامة اقترب الأمريكيون من كوبا، ورفعوا العقوبات عن السودان. أيضًا رغم المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، لا تزال الشركات الأوروبيّة لا تجرؤ على الاستثمار في إيران. ذلك أن الشركات الفرنسيّة مشلولة بسبب المخاطر التي تواجه الأميركيين عندما يتم رفع الحظر رسميًا، كما تشير النائبة السابقة في الحزب الاشتراكي كارين بيرغر، مقرّرة البعثة البرلمانية حول تجاوز القانون الأمريكي للحدود الإقليميّة.

أما بالنسبة للتجسّس، فيتم تعيين "مراقب"، أي خبير في خدمة العدالة الأميركيّة، لمدة ثلاث سنوات لمراقبة سير العمل للشركات الفرنسيّة والتحقّق من وفائها بجميع التزاماتها. وبحسب كلود ريفيل، المندوب الوزاري السابق للمخابرات الاقتصاديّة يمكن للولايات المتحدة "الوصول إلى جميع معلومات الشركة التي يجب عليها تقديم تقرير سنوي إلى وزارة العدل الأميركيّة. مع العلم أن التقرير قد يحتوي على معلومات سرية». قضية شركة Alstom مثال على هذه الاستراتيجيّة الأميركيّة، ذلك أنه بفعل وصول الإدارة الأميركيّة إلى معلومات سريّة وخاصّة عن الشركة، تمكنّت من تغريمها ثم الاستحواذ عليها. ففي 22 ديسمبر 2014، أدان القضاء الأمريكي الشركة الفرنسية بدفع غرامة قدرها 772 مليون دولار، بتهمة الفساد. وفي هذه العمليّة، تم شراء Alstom من قبل شركة General Electric الأميركيّة، رغم رفض الدولة الفرنسيّة.

تأخذ الخلافات بين الولايات المتّحدة وفرنسا بعدًا ثقافيًّا وتاريخيًّا، إذ تتجاوز المجالات السياسيّة إلى صراع بين دولة استعماريّة حلّت مكان أخرى كان لها دور ريادي على مستوى العالم. وفي حين أن هيمنة واشنطن لا تزال آخذة بالتمدّد، تحاول باريس استعادة نفوذها بشكلٍ أو بآخر، إلا أن الاستحواذ الأميركي على الاتّحاد الأوروبي، اقتصاديًا وسياسيًّا وعسكريًّا، يجعل محاولات فرنسا للتحرّر من الهيمنة الأميركيّة مجرّد رغبات بعيدة عن الواقع، ولذلك قد تفلح فرنسا بالتمايز إلى حدٍ ما عن التوجيهات الأميركيّة حيال العديد من القضايا في العالم، لكن على مستوى التحرّك فإن نشاطها يبقى مرتبطًا بالقرار الأميركي.


الكاتب: غرفة التحرير