الإثنين 26 أيلول , 2022

نفط الشرق الاوسط: قلق أميركي من حضور الصين

نفط الشرق الاوسط

 

تعد الصين، منذ عام 1997، مستورداً صافياً للنفط. وتؤمن نصف احتياجاتها من نفط الشرق الأوسط على وجه التحديد. وعلى الرغم من سعيها إلى الاعتماد على الطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر، إلا ان مسيرة استغنائها عن النفط الاحفوري -التي تعد أكبر مستورد له في العالم- طويلة ومكلفة. ولا يقتصر الحال هذا على الصين وحدها، اذ ان الولايات المتحدة العازمة على الخروج من الشرق الأوسط، تعلم جيداً ان الاستغناء عن النفط في القريب العاجل ضرب من الخيال، ولا تزال موارد الطاقة في هذه المنطقة تعد قبلة الأنظار الدولية وتشتد وتيرة الاهتمام بها كلما اشتد الصراع الذي يؤثر، حتماً، على سلاسل التوريد وبورصة الأسعار.  

ويقول مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، الباحث الأمريكي جون بي. الترمان، إنه على الرغم من ان مصادر إمدادات الكهرباء غير معروفة، إلا انها ستكون هي السائدة في المستقبل. وقد ابتهج البعض في الولايات المتحدة لأنهم يرون أن تراجع أهمية النفط والغاز سيعني انتهاء المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط في القريب العاجل. ولكن ليس الأمر بهذه البساطة.

وفي تقرير نشره مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، يضيف الترمان، أن النفط والغاز لن يكونا سلعتين إستراتيجيتين في المستقبل البعيد، لكن من المؤكد أنهما سلعتان إستراتيجيتان الآن. الصين ترى اعتمادها على الشرق الأوسط نقطة ضعف دائمة. فهي لا تفتقر فقط للقوة العسكرية لحماية مصالحها هناك، بل تخشى أيضاً من قيام واشنطن بسرعة بمنع وصول طاقة الشرق الأوسط إليها في حالة حدوث صراع.

ويقول الترمان الذي يعمل أيضاً رئيس كرسي زبيجنيو بريجينسكي في الأمن العالمي والجيوإستراتيجية، إنه من الغريب أن سبب ذلك هو أن الكثيرين تسيطر عليهم فكرة نهاية عصر النفط والغاز. فكثير من المستثمرين ليسوا على استعداد للاستثمار في مجال التنقيب عن الطاقة، وفي البنية الأساسية للطاقة، ويرجع ذلك من ناحية لعدائهم لقطاع النفط والغاز لأسباب بيئية، ومن ناحية أخرى بسبب توقع أن دورة حياة أي استثمارات جديدة قصيرة للغاية، مما يحول دون استعادة التكاليف.

تسود العالم اليوم، فكرة تقليدية تقول بأن الأسعار المتعلقة بالغاز والنفط ستتراجع مع انخفاض الطلب، لكن بقراءة بسيطة سنجد انه من غير المرجع حدوث ذلك. اذ ان حقول النفط التي تم استثمارها منذ وقت طويل، تنتج أقل من الحقول الجديدة، وفي الوقت الذي ستتضاءل فيه عمليات التنقيب، إضافة لتراجع الاستثمار بالحقول التي يتم الاستخراج منها حالياً، فإن نتيجة المترتبة على ذلك ستكون عكسية. فمن المرجح أن تكون النتيجة حدوث فترة تنخفض فيها الإمدادات أكثر من انخفاض الطلب، مما يزيد الضغط على الأسعار.

ويمكن أن يقول البعض إن أي ارتفاع في الأسعار يعتبر مكسباً على المدى الطويل لأنه سيجعل أنواع الوقود البديلة أكثر تنافسية. ولكن قبل أن يحدث ذلك، سوف يرغم اهتمام العالم على العودة للاتجاه نحو الشرق الأوسط، حيث بمقدور شركات الإنتاج المملوكة للدولة الاستثمار في هذا المجال، وحيث إن لديها اهتماماً إستراتيجياً بمد أجل عصر النفط، وذلك بتخفيض الأسعار بما يكفي لإبطاء اللجوء للبدائل. وبحسب الترمان فإن هذه الشركات ترى أن هناك منطقاً بيئياً لمركزيتها المتجددة، نظراً لأن إنتاجها يتسبب في انتشار أقل نسبة كربون في العالم. وفي حقيقة الأمر، من المحتمل أن هناك عدداً من العوامل سيمنح الشرق الأوسط حصة أكبر في الإنتاج العالمي والاحتفاظ بهذه الحصة مع ظهور البدائل.

ومع ذلك، هناك اندفاع في الولايات المتحدة للخروج من الشرق الأوسط، مع تزايد الحديث عن تنافس دائم مع الصين. ومع قلق الولايات المتحدة المتزايد بشأن تصرفات الصين في منطقة المحيط الهادئ، يبدو الشرق الأوسط كساحة معركة مجدداً. فقد عادت مرة أخرى معركة "لا حرب بسبب النفط" التي أثيرت قبل 20 عاماً، وانضم إليها الآن دعاة الحفاظ على البيئة.

ومع اتجاه الولايات المتحدة نحو آسيا، تقوم الصين رويداً رويداً بالتوغل في الشرق الأوسط. فالصين تروج لنفسها باعتبارها الحل الانسب لمواجهة الهيمنة الأمريكية. فهي لا تتدخل بنظام الحكم ولا تطلب شيئاً أكثر من الشروط التجارية المحضة. ويبدو اهتمام الصين واضحاً للقادة في المنطقة، تماما كما واضح هو عدم اهتمام الولايات المتحدة المفترض.

ومع ذلك، تتبع الصين موقفا محسوباً وواقعياً تجاه الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن لدى المسؤولين في الحكومة الصينية اهتماماً أكيداً للحد من ارتباط بلادهم بالمنطقة، فإن ذلك مصحوب بإدراك أن هناك حاجة لأن تصبح العلاقات أكثر قوة قبل أن تضعف. فالصين تعد نفسها جيداً لفترة تركيز عالمي متزايد على الشرق الأوسط.

أما الولايات المتحدة فإنها تتخذ اتجاها معاكسا. ويبدو الأمر وكأنما تعرف الولايات المتحدة كيف تنتهي القصة، وهي حريصة على تخطي كل الفصول التي تسبق النهاية. ومع ذلك، فإن الكثير سوف يحدث قبل بلوغ النهاية. ويوضح الترمان أنه يتعين على واشنطن أن تعد نفسها لما سوف يحدث على المدى المتوسط قبل أن تهيأ نفسها للمدى الطويل. والمؤسسة العسكرية الأمريكية تتمتع بالحكمة التي تجعلها لا تتحول بشكل حاد بعيدا عن المنطقة، رغم الضغط عليها للتركيز على منطقة المحيط الهادئ، حيث يعتمد حلفاء الولايات المتحدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية بشكل كبير بالفعل على طاقة الشرق الأوسط. ووفق الترومان فإنه لم يعد لدى الكثير من الأمريكيين قدر كبير من الصبر بالنسبة للشرق الأوسط، ولكن في الحقيقة يعتبر الصبر هو المطلوب تماماً.


الكاتب: غرفة التحرير