الأربعاء 12 تشرين أول , 2022

الاتفاق البحري: انجاز لبناني وأزمة سياسية إسرائيلية

اتفاق الترسيم البحري

وصل ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وكيان الاحتلال عبر الوساطة الأمريكية الى خواتيمه، على ما يبدو بعد تسلّم وتسليم كلّ من بيروت و"تل أبيب" المسودات النهائية والتعديلات الأخيرة. كذلك صوّت مجلس الوزراء الأمني والسياسي للاحتلال (الكابينت) على دعم "الاتفاق".  الا أن ذلك لا ينفي وجود بعض الحذر اللبناني من الاحتلال الذي يعيش مستواه السياسي انقساماً حاداً في المواقف يكشف عمق التنافس بين اليمين واليسار قبل أقل من شهر على موعد انتخابات "الكنيست".

في هذا السياق، قال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أن "اللحظة التي تذهب فيها الوفود لتوقع في الناقورة كما هو مفترض بالآلية المتفق عليها، بعد ان يحصل هذا التوقيع نستطيع أن نقول هناك اتفاق حصل أو تفاهم حصل". فيمّا علّقت قناة "كان العبرية" على كلام السيد نصر الله أنه " بكلمات أخرى حتى نرى توقيع كلا الطرفين في الناقورة، فكل شيء مفتوح".

من الجانب اللبناني، فبعد أن تسلّمت الرد على تعديلاتها من رئيس الوفد الأمريكي المفاوض آموس هوكشتاين وأعلنت أنها حصلت على مطالبها كافة، بدأت السجالات السياسية والإعلامية والتصريحات التي تبعتها تصريحات مضادة بين رئيس حكومة الاحتلال الحالي يائير لابيد ورئيسها الأسبق بنيامين نتنياهو.

الحرب الانتخابية قائمة بين نتنياهو ولابيد

أعلن لابيد، أن الاتفاق مع لبنان "إنجاز تاريخي سيعزز أمن إسرائيل، ويدخل المليارات في الاقتصاد الإسرائيلي ويضمن الاستقرار على الحدود الشمالية". وصرّح مكتبه اليوم (عقب اجتماع الكابينيت) أن "هناك أهمية وضرورة ملحة للتوصل إلى اتفاقية الغاز مع لبنان في هذا الوقت". وكانت تصريحات لابيد السابقة قد أشار الى أهمية هذا الاتفاق بالنسبة للاحتلال وأن أهم "ميزة" يقدّمها هي تجنّب التصعيد على الجبهة الشمالية.

أمّا نتنياهو فيتابع حملته الانتخابية من خلال التحريض ضد الاتفاق الذي كرّر مرّة جديدة أنه "استسلام تاريخي"، مضيفاً أنه "لأكثر من عقد من الزمان، لم تستسلم الحكومات تحت قيادتي لتهديدات نصر الله، حتى جاء لابيد. في غضون ثلاثة أشهر، استسلم بالكامل لجميع مطالب حزب الله. إن المعادلة الجديدة التي وضعها لابيد، هي أن التهديدات تقابل بالاستسلام، وهذا يشكل خطراً استراتيجياً على أمن إسرائيل".

وقد نشر حزب الليكود على حسابه الرسمي رسماً كاريكاتورياً يظهر السيد نصر الله وهو يصوّب المسدس على رأس لابيد ويجبره على السير في الاتفاق، وكُتب على الرّسم "لابيد باعنا لحزب الله"! فيما كان معلّقو الاحتلال قد انتقدوا تحريض نتنياهو معتبرين أنه لو كان في المنصب في هذه المرحلة لقبل بـ "الاتفاق" عينه، وأنه اعتمد سياسة "ضبط النفس" لتجنّب الدخول في جولة قتالية مع حزب الله. كما تجنّب استهداف عناصر حزب الله في سوريا "خوفاً من رد حزب الله بالصواريخ من لبنان".

كذلك نقل موقع "0404" العبري انتقادات حول تركيز نتنياهو على بعض الأمور عشية الانتخابات وإغفال بعضها الآخر وقال إن "لدى العديد من أعضاء الكنيست في الليكود شكاوى ضد نتنياهو أيضًا فيما يتعلق بالرسائل: وفقًا لهم، فهو لا يركز الحملة على القضايا التي تهم الجمهور، مثل تكلفة المعيشة والأمن".

الاتفاق في قانون الاحتلال

حول المسائل "القانونية" بالنسبة للاحتلال والتي يجب أن يمر بها الاتفاق مع لبنان، فكان الاعلام العبري قد كشف أن لابيد يسعى الى اتفاق مع لبنان لا يمرّ عبر "الكنيست" و"الاستفتاء"، تجنباً لأن يسقط في الأول بسبب عدم امتلاك الحكومة الحالية للأغلبية، وفي الثانية بسبب الحملات التحريضية، وأن يحصل الاتفاق فقط على مصادقة "الكابينيت" كي لا يكون هناك ايّ عائق. وفي هذا السياق وزعت المستشارة القانونية لحكومة الاحتلال غالي بهاريف ميارا رسالة على الوزراء تؤكد فيها بأنه وفقاً "للقانون الأساسي" لا ينطبق الاستفتاء على الاتفاقية مع لبنان، ولا يوجد التزام بالموافقة عليها في "الكنيست". وذكرت في الرسالة أنه "في نهاية الفحص القانوني، وجدت أن أحكام القانون الأساسي لا تنطبق على الاتفاق المعروض علينا: فعلى الرغم من الصعوبات الكبيرة الناشئة عن الترويج لمثل هذا الاتفاق في وقت قريب من يوم الانتخابات، لا يوجد أي عائق قانوني".

وتابعت "موقفي هو أنه في ضوء قوانين الانتخابات، من المناسب والصحيح أن يتم عرض الاتفاق على الكنيست للمصادقة عليه لكن لا يوجد مانع قانوني أمام اللجوء إلى بديل، أي الموافقة عليه في الحكومة وتركه للكنيست لمراجعته لمدة أسبوعين".

اذاً قد لا تمنع المشاكل السياسية والقانونية للاحتلال من تمرير الاتفاق مع لبنان.

لبنان موّحد في الموقف

من الناحية اللبنانية، فإن المشهد مختلف تماماً عن ما خلقه هذا الاتفاق من تجاذبات سياسية في الكيان المؤقت. فقد سجّل لبنان انجازاً تاريخياً واستراتيجياً سيؤثر على مستقبل البلد وحضوره الإقليمي والدولي.

وهذا "بفضل قوة موقف لبنان" حسب ما صرّح نائب رئيس البرلمان الياس بو صعب. وهذه كانت "تجربة ممتازة جداً في لبنان، تجربة يتعاون فيها الرؤساء رغم كثرة اختلافاتهم، بهذا الملف تعاونوا ووضعوا خلافاتهم جانباً ووضعوا حساسياتهم جانباً وتعاطوا بمسؤولية... على اختلاف مواقعهم، مؤسسات سياسية وأمنية وعسكرية وإلى آخره، وأيضاً كان هناك احتضان كبير جداً من البيئة الحاضنة للمقاومة بالدرجة الأولى، هذا أمر مهم جداً"، حسب ما شدّد السيد نصر الله.

هذه الوحدة في الموقف استندت على المقاومة ومعادلاتها، فقال رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل إن "هذا الإنجاز الذي يعود لنجاح لبنان بإدارة التفاوض وجهوزية تقنية وقانونية، صار ممكناً بفضل التوازن الذي وفرته المقاومة، وأزال الحظر السياسي عن حق لبنان بالتنقيب والاستخراج". وهو ما لفت اليه أبو صعب بالقول إن "أي شركة ستنقب في الحقول اللبنانية يجب ان لا تخضع للعقوبات الدولية".

وفور الإعلان عن تلبية المطالب اللبنانية وصل مدير شركة "توتال" الفرنسية laurent Vivier الى بيروت واجتمع مع الرؤساء، وقد طلب رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي يطلب من شركة توتال المباشرة بالإجراءات التنفيذية للتنقيب في المياه اللبنانية. وبدوره أعلن وزير الطاقة اللبناني في حكومة تصريف الأعمال وليد فياض إن " العمل جدي وهذا الملف إيجابيّ جدّاً للبنان ليسمح لنا بالانتقال إلى طريق الدول النفطية وشركة توتال وعدتنا بالإسراع بالتنقيب عن النفط في الحقول اللبنانية".


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور