السبت 26 حزيران , 2021

الإعلام السعودي: منظومة أمنية وشراء ذمم

الاعلام الخليجي

تولي السعودية أهمية قصوى لأداتها الإعلامية التي تعوّل عليها في تظهير صورتها إلى العالم خاصة الدول الغربية والولايات المتحدة الذين يشكلون "قِبلة" الرياض ودول الخليج. غير ان لهذا الاهتمام كلفة باهظة تتمثل بالدرجة الأولى بالجهد الكبير الذي تبذله لمراقبة وسائلها الإعلامية على اختلافها ويرجع ذلك للمجهود المطلوب من هذه الوسائل "تحريف للوقائع وتضليل للرأي العام" ليس فقط داخل مجتمعاتها بل بالتعاطي مع شعوب المنطقة ومحور المقاومة بشكل خاص، وبالدرجة الثانية بالتمويل الهائل والبذخ على الصحفيين ورؤساء التحرير "المراقبين أمنيًا".

عندما تنخرط أية وسيلة إعلامية في جهد اتصالي مُخَطَّط ومُنَظَّم خلال فترة زمنية معيَّنة ترويجًا لقصص مُخْتَلَقَة أو بيانات مُلَفَّقَة أو تصريحات مُزَيَّفَة يُراد لها أن تكون الموضوع المُفَكَّر فيه من أجل إقناع الجمهور بسرديَّة وَهْمِيَّة، فإنها تكون اختارت الدعاية نمطًا اتصاليًّا لنشر آرائها ومواقفها ومعتقداتها (السياسية والدينية وغيرهما)، مُتَعَمِّدَةً صناعة وتشكيل اتجاهات مُؤَيِّدَة لقضيتها وأطروحاتها أو تعديل هذه الاتجاهات فكريًّا ونفسيًّا والتأثير في السلوك الجماهيري نحو الفاعلين في تلك القصص المختلقة (أفرادًا ومؤسسات وهيئات ودولًا) الذين تعتبرهم خصومًا وأعداءً. وهو ما يكشفه خطاب الحملة الدعائية لوسائل الإعلام السعودية ضد محور المقاومة ومؤسساته.

وتُمَثِّل الفَبْرَكَة الإعلامية أحد تمظهرات الدعاية؛ حيث "تصطنع وسيلة الإعلام خبرًا أو واقعة لم تحدث وتحاول أن تُلْبِسَها ثوب الواقع" ترويجًا لأُطُرِها (الكذب) وأجندتها السياسية من أجل إحداث التأثير المقصود في الجمهور والتحكُّم في الرأي العام، وذلك بهدف إيهام الرأي العام الخليجي والدولي بأن وجود الرموز والكلمات يؤكد حقيقة الأفعال؛ و"حيثما توجد الكلمات فهناك وقائع تقابلها". ويهدف هذا الواقع السياسي الرمزي الناشئ إلى تركيب وبناء صورة نمطية سلبية عن محور المقاومة ومؤسساته، تربط اسمه بالإرهاب وذلك ليبدو متجاوز للسلوك القانوني؛ لاسيما أن وصف أي جماعة أو كيان في وسائل الإعلام بالتطرف، أو الإجرام، يتم ربطهما بشكل لا واعٍ باللاشرعية.

وتدرك الوسائل الإعلامية السعودية الأثرَ القوي لهذه الأكاذيب على صورة المؤسسات التي يتم التحريض ضدها؛ فحتى لو توقَّفت وسائل الإعلام عن دعايتها وتبرَّأت مما نسبته إليها فستكون ألحقت ضررًا كبيرًا بصورتها.

في مقاربة دور الإعلام السعودي وتأثيره في توتر العلاقات بين محور المقاومة ومؤسساته والدول الخليجية التي تنطلق منها الحملة الدعائية السعودية مستهدفة المحور ورموزه السياسية، وإبراز مسؤوليته عن تفجير الأزمات في عدة دول وفي زعزعة أمن واستقرار المنطقة، يُقَدِّم السياق الاتصالي لأفعال واستجابات الفاعلين في هذه الأزمة مؤشرات تُساعد في إدراك دوافع السلوكيات وغايات الأفعال؛ لأن "تحليل السياق يصبح أكثر أهمية من تحليل المضمون؛ ذلك أن الاتصال يتم تصوُّره كسيرورة مُتَحَرِّكَة ذات مستويات عديدة؛ حيث يجب على الباحث، الذي يسعى لالتقاط لحظات تدفق المعاني، أن يصف انتظام مختلف طرائق السلوك ضمن سياقٍ ما" . وقد لاحظنا أن وسائل الاعلام السعودية تربط انطلاق حملتها الدعائية بحدث حساس مثل انفجار مرفأ بيروت وغيرها من الاستهدافات العسكرية والأحداث السياسية، حتى تكتسب القصة المفبركة "قيمتها الخبرية" من أهمية الحدث، وأيضًا لإضفاء أبعاد تهويلية عليه، وصولًا إلى الهدف الاستراتيجي المرسوم، وهو استنفار حملة سياسية إقليمية ودولية تقودها دول القائم بالدعاية لزيادة الحصار على محور المقاومة ومؤسساته وضرب شعبيته وشرعيته ومحاربته.

 يقدّم هذا الملف معلومات حول تأسيس المنظومة الإعلامية السعودية والاتجاهات الأيديولوجية والملكية في الإعلام السعودي كما نستعرض أبرز مراكز التفكير والأبحاث السعودية السياسية والاجتماعية والإستراتيجية والمراكز الأجنبية الممولة من السعودية.

طوال عقد السبعينات، وفي ظل وضع إقليمي خليجي مشحون، تميز بالطفرة النفطية الخليجية والصعود المتنامي لإيران ومحاولة السعودية لتصدي لثورة الإمام الخميني والدفاع عن الوهابية، دخل رأس المال السعودي مجال الاستثمار في الإعلام باعتباره سوقًا استثماريًا ذات ربحية عالية في المجال السياسي والأيديولوجي؛ ولهذا تم تأسيس صحيفة "الشرق الأوسط"، في يوليو/تموز 1977، التي شكَّلت حينها "أول صحيفة عربية دولية يومية إخبارية شاملة تصدر من العاصمة البريطانية لندن وتُوزَّع بالأقمار الاصطناعية إلى مجموع العواصم العربية والعالمية". وقد أراد القائمون على الصحيفة أن تكون "مُوَجَّهة للقارئ العربي في كل مكان في العالم ومدّه بالأخبار السياسية الإقليمية، والقضايا الاجتماعية، والأخبار الاقتصادية والرياضية". ورغم ما كان يروج عن كون الصحيفة مملوكة للأخوين، هشام ومحمد علي حافظ، صاحبي شركة "المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق" المعروفة في مجال الاستثمار الإعلامي، فإن المالك الحقيقي للشركة وللصحيفة معًا هو الأمير تركي بن سلمان آل سعود، الذي رصد منذ بداية تأسيس الصحيفة ميزانية خاصة لتغطية نفقاتها وذلك لتقديم دعم من المنظور السعودي في تناول القضايا السياسية والدينية في المنطقة العربية والعالم.

وقد اعتمد القائمون على الصحيفة منذ انطلاقتها الأولى سياسة تحريرية خاصة تقوم على جملة تعاقدات، أهمها: أن الشرق الأوسط "جريدة العرب الأولى"، وأنها "جريدة سعودية تتبنى موقفًا معتدلًا من قضية الصراع العربي-الإسرائيلي، وتنتهج خطًّا تحريريًّا يقوم على الاعتدال والتقارب مع العالم الخارجي". ورغم هذا الاختيار الوسطي الظاهر، فإن السياق العام لمنطقة الخليج طوال عقد السبعينات وضغط القضايا السياسية العربية الساخنة، جعل الصحيفة تعيش حالات من التنازع بين موقف المالكين لها وضغط الشارع العربي في الدفاع عن القضايا التي يعتبرها قضايا عادلة مصيرية. ويجد هذا التنازع الكثير من دلالاته في التعدد الواضح لرؤساء التحرير الذين تعاقبوا على رئاسة تحرير الصحيفة، مع غلبة واضحة في العقدين الأخيرين للوجوه الإعلامية السعودية التي تم إعدادها وصناعتها داخل دهاليز الصحيفة نفسها، وكان أهم هؤلاء: عثمان العمير وعبد الرحمن الراشد وطارق الحميد وعادل الطريفي وسلمان الدوسري.

وفي العام 1980، تم إصدار أسبوعية "المجلة" من العاصمة البريطانية، لندن، التي أُوكِل إليها دور تكميلي لما قامت وتقوم به "الشرق الأوسط" عبر التوجه لجمهور جديد خارج الدائرة العربية باستحداث النسخة الإنجليزية للمجلة والموجَّهة للقارئ الغربي في حين أن محتواها التحريري كان ينزع نحو "التحليل الإخباري للقضايا العربية الراهنة من خلال التركيز على الأفكار التي تختفي وراء الأخبار وتقديم المعلومات والمقترحات لصنَّاع السياسة السعودية في المنطقة.

وفي عام 1982 انطلقت روتانا الشركة الترفيهية يملكها الأمير السعودي الوليد بن طلال بن عبد العزيز، اشترت النيوز كوربوريشن (المملوكة من روبرت مردوخ) 18% من روتانا بقيمة 70 مليون دولار. وهي شركة للإنتاج الموسيقى وأيضا اسم لمجموعة من القنوات الفضائية الترفيهية.

وفي العام 1988، قام الأمير خالد بن سلطان بن عبد العزيز بشراء أسهم جريدة "الحياة اللندنية" لبنانية المنشأ التي تأسست في العام 1946 في العاصمة البريطانية. وقد عمل المالك الجديد على إعادة إصدار الصحيفة "بهوية سعودية خالصة"، تتقاطع في بعض القضايا السياسية مع الخط التحريري لصحيفة الشرق الأوسط. ورغم التأكيدات التي تنفي تدخل الأمير خالد في السياسة التحريرية للصحيفة طالما ابتعدت عن انتقاد آل سعود...وأن الصحفيين هم أحرار في كتابة ما يشاؤون شريطة عدم نقد العائلة المالكة أو الكشف عن فساد الحكومة، فإنه لم يتم السماح بتداول الصحيفة في السعودية إلا في العام 1996. كما لم يسمح بصدور طبعة خاصة لها من العاصمة الرياض إلا في العام 2005.

وفي التسعينات، وضمن سياق سياسي مختلف تميز بانتشار ظاهرة القنوات التلفزيونية الفضائية، سارع المال السعودي مرة أخرى للاستثمار في هذا القطاع الجديد بحثًا عن أرباح اقتصادية واستثمارات سياسية جديدة. وهكذا تم إطلاق قناة وإذاعة وتليفزيون الشرق الأوسط "إم بي سي1" MBC1، التابعة لمجموعة بالاسم نفسه "مركز تليفزيون الشرق الأوسط" (Middle East، Broadcasting Center). في عام 1991، وهي شركة تجارية خاصة برأسمال سعودي، موزع بالتساوي بين صالح كامل ورجل الأعمال، وليد الإبراهيم، صهر الملك السعودي الراحل، فهد بن عبد العزيز. وكانت لحظة انطلاقتها (إم بي سي1) قناة فضائية شاملة، تبث من العاصمة البريطانية لندن، وتجمع في برامجها بين الإخباري والترفيهي والاجتماعي. وفي العام 2002، أقدمت المجموعة على الانتقال لمقرها الجديدة بالمدينة الإعلامية في دبي بالإمارات، التي تحولت حينها لعاصمة الإعلام العربي، وقد تمكنت القناة في البداية من تحقيق نسبة مشاهدة قوية في العالم العربي، خاصة في المملكة العربية السعودية.

وفي العام 2003، قامت المجموعة بإطلاق قناة "إم بي سي2" MBC2، وهي قناة متخصصة في عرض الأفلام الترفيهية الناطقة باللغة الإنجليزية مصحوبة بترجمة حَرْفية مكتوبة. ورغم الانتقادات التي طالت المجموعة واتهامها بـ"نشر الثقافة الليبرالية على الطريقة الأميركية ممزوجة بثقافة العنف"، فقد أقدمت المجموعة أيضًا، في العام 2004، على إطلاق قناة "إم بي سي3" MBC3، وهي قناة متخصصة في أفلام الكارتون وبرامج الأطفال في العالم العربي.

 وفي العام 2005، قامت المجموعة مرة أخرى بإطلاق قناة "إم بي سي4" MBC4 التي تعرض المسلسلات الأميركية والبرامج الصباحية الأميركية المترجمة وبرامج النساء وتليفزيون الواقع. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل عملت المجموعة، في العام 2007، على إطلاق قناة "إم بي سي أكشن" MBC action التي تقدم على مدار الساعة الأفلام الأميركية وأفلام الحركة والتشويق.

والملاحظ أن السياسة الإعلامية الـمُؤَطِّرَة لتجربة مجموعة "إم بي سي" تجد الكثير من دلالاتها فيما ذهبت إليه إدارة المجموعة، حينما اعتبرت أن التوجه العام للمجموعة لا يقوم على "امتلاك فكر أو أجندة أو عقيدة لإيصالها، وإنما القيام بعمل مهني لخدمة المجموعة ماديًّا للمحافظة على ريادتها. وذلك عبر زيادة نسبة المشاهدة والاستثمار في المحتوى العربي". بهذا المعنى يكون الهدف الرئيس لقنوات "إم بي سي" هو تحقيق أكبر نسبة مشاهدة ممكنة من خلال خلطة برامجية منوعة" ونشر نمط معين من الثقافة الليبرالية، التي تتماهى مع نمط الحياة الأميركية والتفكير الأمريكي.

وفي خطوة جديدة وغير متوقعة، أقدمت المجموعة، عام 2003، على إطلاق "قناة العربية "وهي أول قناة فضائية إخبارية متخصصة تابعة لمجموعة "مركز تيلفزيون الشرق الأوسط"، و"تهتم بالأخبار السياسية والرياضية والاقتصادية، مع تركيز واضح على المشروع السعودي، والترويج له، سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا". وقد كشفت تسريبات موقع ويكيليكس أن ملكية محطة العربية تعود لوليد الإبراهيم، وأن 50% من أرباحها تُعَدُّ من نصيب الأمير عبد العزيز بن فهد بن عبد العزيز الذي ينتمي للجناح الليبرالي في الأسرة السعودية الحاكمة. وهو من يقف خلف التوجه السياسي والفكري للقناة وذلك بهدف تأسيس إمبراطورية إعلامية للهيمنة على خيارات واتجاهات الشارع العربي، وذلك على شاكلة إمبراطورية روبرت مردوخ المالكة لقناة فوكس نيوز، وأستراليان فوكس نيوز وصحيفة وول ستريت جورنال، ونيويورك بوست.

وقد عملت القناة منذ انطلاقتها على تبني شعار "أن تعرف أكثر" إطارًا عامًّا لسياستها التحريرية، وهو الشعار الذي يقوم على أولوية الحق في المعرفة كما تعبِّر عنه المواثيق الدولية، لكن القراءة الموضوعية لسياق ظهورها يؤكد أن تأسيس قناة العربية ارتبط بعدم رضى النخبة السياسية الحاكمة في السعودية عن الخطاب الإعلامي لقناة الجزيرة التي سبق أن انطلقت في العام 1996. وبعد فشل هذه النخبة في محاولة تطويع القناة القطرية، تم تأسيس قناة العربية لمنافسة الجزيرة ومحاولة انتزاع نسبة من الجمهور العربي الذي يبدو أنه وجد ضالته في الجزيرة منذ انطلاقتها، وما يؤكد هذا التوجه هو أن أحد مالكي القناة، وليد الإبراهيم، اعتبر أن "قناة العربية تمثِّل خيارًا بديلًا أكثر اعتدالًا من قناة الجزيرة وهدفه هو وضع "العربية" بالنسبة لـ"الجزيرة" في الموقع نفسه الذي تحتله "سي إن إن" من "فوكس نيوز" كمنفذ إعلامي هادئ ومتخصص معروف بالتغطية الموضوعية وليس الآراء التي تُقدَّم في صورة صراخ".

ويكيليكس!

الاتجاهات الأيديولوجية والملكية في الإعلام السعودي

كشفت وثيقة خطيرة من ويكيليكس عن الاتجاهات الأيديولوجية والملكية في الإعلام السعودي حيث جاء فيها:

-مسؤول إعلامي يبلغ الأميركيين: البرامج الأميركية في أم بي سي وروتانا تتغلب على السعوديين العاديين بطريقة لا تقدر عليها (الحرّة) والدعاية الأميركية الأخرى.

-الإم بي سي تتوجه الى الشباب السعودي ما بين 14-18 سنة وتبث أخباراً معتدلة، فيما تقوم (العربية) بمخاطبة الجمهور العربي، وتأمل في مقاومة نفوذ قناة الجزيرة.

- البرامج الأميركية التي تبثها القنوات المملوكة للأمراء السعوديين بالغة التأثير على الأجيال الجديدة بشكل غير مسبوق، وهناك اعتقاد على نطاق واسع بأن الحكومة الأميركية وراء ذلك.

خارطة الاعلام السعودي من حيث الملكية والأيديولوجية، لا تمثّل مجرد وجبة تعليمية بمحتويات هذه الخارطة، وإنما تلفت الى ما هو أبعد من ذلك وأخطر، وسنحدد ذلك في نقاط:

-إن هناك تنافساً شديداً بين الأمراء في ساحة الإعلام بهدف بسط النفوذ محلياً وخارجياً، محثوثاً بالوعي والخوف من دور الإعلام، الأمر الذي يكشف عن كثافة الإجراءات الخاصة بضبط والسيطرة على وسائل الاعلام.

-إن حجم البرامج الترفيهية في الإعلام السعودي، وخصوصاً المملوك منه بواسطة الأمراء: الأمير سلمان، والأمير الوليد بن طلال، الأمير عبد العزيز بن فهد، والذين يملكون مجموعات مثل: مجموعة التسويق والابحاث السعودية، ومجموعة قنوات روتانا، ومجموعة قنوات إم بي سي والعربية.. تبطن أهدافاً أيديولوجية بعيدة المدى، لعلّ أبرزها: تغيير ثقافة المجتمع، ومسخ هويته، وتعميم ثقافة انحلالية غربية.

فيما يلي نص وثيقة أشبه ما تكون بتقرير حول الإعلام السعودي، يوفر بعض المعلومات ويعكس رؤية واشنطن تجاه الإعلام السعودي، ومديات حرية التعبير المتوفر في مملكة آل سعود. الوثيقة تحمل رقم 09RIYADH651 وهي صادرة في 11/5/2009 من السفارة الأميركية بالرياض تحت عنوان: "الإتجاهات الأيديولوجية والملكية في الإعلام السعودي". يستند التقرير في الأساس على حديث مطول مع شخصية إعلامية بارزة، تحاشت السفارة ذكر اسمها، وأسماء شخصيات اعلامية أخرى. لكن الشخصية الأساس لديها ـ وكما يقول النص ـ شبكة على الإنترنت، و(يحتمل) أن يكون المقصود محمد آل الشيخ مالك موقع الشبكة الليبرالية السعودية، والمعروف بأنها تموّل من قبل جناحي السلطة: الملك، وولي عهده.

الملخص:

يزوّد التنظيم الإداري السعودي، نظام آل سعود، بوسائل احتكار الإعلام الوطني المطبوع لتعميم أجندته دونما حاجة لممارسة رقابة يومية على الصحافيين. الصحافيون السعوديون أحرار في الكتابة حول ما يشاؤون، شريطة عدم نقد العائلة المالكة، أو الكشف عن فساد الحكومة. بالإضافة الى ذلك، فإن معظم وسائل الإعلام في السعودية ـ المطبوع والالكتروني ـ مملوك لأعضاء في العائلة المالكة، وعلى ذلك فإن الرقابة الذاتية هي النظام السائد على مدار اليوم، وكل يوم. على أية حال، في مقارنة مع سنوات قليلة مضت، فإن تجارة الاعلام في السعودية حيوية، وتتغذى بواسطة الطلب المتزايد من قبل الجمهور السعودي والعروبي، واتفاقيات الترخيص الجديدة مع الولايات المتحدة والإعلام الدولي، والمستوى غير المسبوق من الانفتاح على الأفكار الخارجية.

الوثيقة:

في مقابلة مع موظفي السفارة والقنصلية في جدة قبل عطلة عيد بداية ديسمبر، محررون ومدراء التلفزيون السعودي، رسموا العناصر الأساسية لهذه الاتجاهات، وكتموا جزئياً كيف أن اليد الطولى لآل سعود ـ المتحفّزة بواسطة المصلحة والسياسة ـ تمسك بقوة على الاعلام في هذه البيئة الجديدة المعقّدة، عبر وسائل تتراوح بين تدابير وزارة الداخلية المعدّلة للصحافيين العصاة، وتوجيهات من الملك عبد الله نفسه لتبني وجهات نظر تقدّمية كحل للتفكير المتطرّف.

        

التقى الطاقم الصحافي في السفارة مؤخراً بـ xxx (لم يرفع عنه السرية) وبناء على شعاع كابيتال  Shuaa Capital، وهي شركة خدمات مالية في الخليج، فإن المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق SRMG تعتبر أكبر ناشر في البلاد، ويتابع نشاطها أكثر من 180 مليون شخص في كل أنحاء العالم، وتبلغ حصتها الإجمالية من السوق نحو 46.1%.

وبحسب xxx فإن الأمير الوليد بن طلال، كما أبلغنا، يمتلك الآن 35% من المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق، مع مستثمرين خاصين يسيطرون على البقية. التقارير المالية التي حصلنا عليها تضع رجل الاعمال محمد حسين علي العمودي كمالك لـ 57.70% من المجموعة وذلك في بداية العام 2008، وهي حصة تمنحه (وآخرين قد يمثلهم) على الورق سيطرة على هذه الشركة الإعلامية القوية.

من الجدير بالملاحظة أن محررين سعوديين آخرين كنّا قد تحدّثنا إليهم كانوا يشيرون دائماً الى مجموعة التسويق والابحاث السعودية بأن الأمير سلمان يمتلكها، بالرغم من حقيقة أنxxx أخبرنا بأنه ليس مساهماً، وأن الممتلكات الرسمية لـ xxx تبلغ فقط 10% من الشركة. وحين نقل موظف السفارة ذلك الى أحد مصادرنا الصحافية، أخبرنا بأنه من المعروف أن الأمير سلمان يمتلك المجموعة ويسيطر على اتجاهها عبر ابنه فيصل.

يمثل xxx اتجاهاً لحظنا وجوده في كل الإعلام هنا: زيادة المتعلّمين، وسعوديون موالون للولايات المتحدة نسبياً يتواجدون في مواقع إدارة التحرير، وعقليات تكنوقراطية بشهادات جامعية في الصحافة من الولايات المتحدة. أخبرنا xxx بأن تنظيم كامل مجموعة الأبحاث والتسويق السعودية قد جرى توجيهها لتبني مقاربة احترافية على الطراز الغربي في الإعلام، والتي ستزيد في المداخيل، وتعزز الأفكار الحديثة التي ترغب القيادة السعودية الرسمية في تسويقها، باعتبارها مناهضة للأيديولوجية المتطرّفة.

بالرغم من كونها وجدت في الأصل كجريدة اقتصادية، فقد عرفت (الاقتصادية) ولفترة طويلة بمحتواها السياسي، وغالباً ما تنشر افتتاحيات ومقالات رأي نقدية بصورة حادّة للولايات المتحدة في عدد من الصفحات الرئيسية. xxx و xxx أبلغانا بأن xxx كان في مناقشة دامت ثلاث ساعات مؤخراً مع أحد أبناء روبرت مردوخ في صفقة لطباعة النسخة العربية من صحيفة (ذي وول ستريت جورنال) وأن مجموعة الأبحاث والتسويق تحاول الفوز بعقد طباعة صحيفة (ذي انترناشيونال هيرالد ترييبون) غير المحظورة حسب قوله، في السعودية.

نمط مشابه من تمازج الملكية والأيديولوجية المماثلة توضحه مجموعة بث تلفزيون الشرق الأوسط الناجحة، بحسب xx.

خلال زيارة الى السفارة الأميركية في نوفمبر لاستصدار تأشيرة سفر للتحضير للقاءات القمة التي سيجريها الملك في الأمم المتحدة والبيت الأبيض.. أبلغ xxx المسؤول الاعلامي في السفارة بأنه في حين أن تلفزيون الشرق الأوسط (الإم بي سي) مملوك من قبل صهر الملك فهد، الوليد بن ابراهيم آل ابراهيم، فإن 50% من أرباح إمبراطورية ام بي سي تذهب الى الإبن الأصغر للملك فهد (وإبن اخت آل ابراهيم): أي الأمير عبد العزيز بن فهد. وحين سُئل xxx ما إذا كان الأمير مهتماً بـ الـ 30% ونيف من أرباح المحطة، أو أنه يضطلع أيضاً بدور فاعل في التوجيه الأيديولوجي لقناة العربية.. همس xxx بابتسامة ساخرة قائلاً: كلاهما.

في لقاء xxx في مكتبه مع القنصل ومسؤولي الصحافة في السفارة، .... بسبب قلق الحكومة السعودية من أن الشباب السعودي كانوا عرضة بشكل خاص للتأثر بدعوات المتطرّفين، وأن القناة تستهدف الآن بث الأخبار المعتدلة للجيل من ذوي الأعمار ما بين 14 ـ 18 سنة، في تقديم قصير لثلاث دقائق أو أقل. وقال أيضاً بأن موقع القنوات، شبكة العربية، تخاطب الجمهور العربي وتحصل على نحو 100 ألف زائر يومياً. العربية وبقية قنوات إم بي سي، حسب قوله، تقدّم برامج تأمل في مقاومة نفوذ الجزيرة وتنشئة وجهات نظر معتدلة بين شباب البلاد.

قال xxx بأن البرامج الأميركية في القناتين الرابعة والخامسة من مجموعة أم بي سي، تثبت بأنها الأكثر شعبية بين السعوديين. وفي نظرة على قائمة برامج 17 ديسمبر لقناة إم بي سي الرابعة تكشف عن شعبية منقطعة النظير لمثل هذه البرامج، مثل اخبار المساء في سي بي إس، وأيه بي سي، وديفيد ليترمان، وربّات البيوت اليائسات، والأصدقاء، وأجر مماثل.. وهي برامج غير محظورة وبترجمة عربية. وتبث قناة ام بي سي الخامسة أفلاماً أميركية من كل المصنّفات، وكذلك مع ترجمة عربية. أبلغنا xxx بأن هذا البث هو الآخر ذو شعبية واسعة في مناطق معزولة ومحافظة من البلاد، حيث لا يمكن أن ترى، حسب قوله، بدواً بعد الآن، ولكن أطفالاً بملابس غربية، والذين هم الآن مهتمون بالعالم الخارجي.

وخلال جلسة قهوة في مقهى ستاربكس بجدة، تحدث xxx وxxx بإفاضة عن التغييرات في بيئة الإعلام السعودي. الحكومة تدفع هذا الانفتاح الجديد كوسيلة لمواجهة المتطرّفين، بحسب ما أخبر xxx مسؤول الاعلام في السفارة الاميركية في الرياض. إنها لا تزال حرب أفكار هنا، وإن البرامج الأميركية في أم بي سي وروتانا تتغلب على السعوديين العاديين بطريقة لا تقدر عليها (الحرة) والدعاية الأميركية الأخرى. السعوديون الآن مهتمون بالعالم الخارجي، والكل يريد الدراسة في الولايات المتحدة إذا أمكنه ذلك. إنهم مفتونون بالثقافة الأميركية بشكل غير مسبوق.

يقول xxx بأن البرامج الأميركية كانت بالغة التأثير، وهناك اعتقاد على نطاق واسع بأن الحكومة الأميركية هي وراء ذلك. يعتقد البعض، حسب قوله، بأن علاقة الأمير وليد بن طلال مع المجموعة الإخبارية التي يمتلكها روبرت مردوخ وشقيقتها شركة تونتي سينتشري فوكس لديها ووراءها دوافع أيديولوجية، لافتاً الى أن قناة فوكس السينمائية في مجموعة روتانا متوفرة بصورة مجانية لكل من يمتلك صحناً لاقطاً (ديش). كل من xxx وxxx وهما من ذوي العقلية الليبرالية داعمين للديمقراطية والمجتمع الأميركي مع استعمال قليل لنظرية المؤامرة، ويؤمنان بوضوح بأن هذا ما يجب أن يكون عليه الحال.

بينما قد تمثّل المداخيل من الإعلانات التجارية من قناة فوكس نيوز في شبكة روتانا الجانب الأشد أهمية بالنسبة للأمير الوليد بن طلال، أكثر من نشر الأفكار الغربية (إم بي سي وروتانا في معركة حادّة في السوق).. فإن من السهل فهم لماذا xxx وxxx وxxx يعتقدون بأن هذه البرامج سيكون لها تأثير بالغ على قيم ونظرات الجمهور السعودي.

البرامج الدينية المنتجة سعودياً على قناة أيه آر تي وروتانا تنطلق أيضاً من النماذج القديمة. القناة الدينية الشعبية على شبكة روتانا (الرسالة) تبرز سعودياً حليقاً بملابس غربية، يقدّم نصائح دينية عمليّة بطريقة هادئة وودية. شركة راديو وتلفزيون العرب (أيه آر تي)، المملوكة من قبل صالح كامل ـ وبحسب اتصالاتنا ـ قد وضع لها حد بواسطة ام بي سي وروتانا، وبرزت مقاطع فيديو موسيقى على غرار ام تي في في قناتها الدينية (إقرأ)، بحيث تصوّر مجموعة من الشباب السعوديين الفاسدين الذين تخلّوا عن مفاسدهم وعادوا للالتزام، ومن ثم عرضوا نجاحاً في عروض البيع والتفاعلات الأخرى في العمل، وكسبوا إعجاب زملائهم ومرشديهم. يوصل الشباب ارتداء الملابس العادية، وحلاقة الذقن، وأنهم مندمجون بصورة كاملة في المجتمع السعودي. رسالة الاعتدال في المجال الديني قد لا تكون أشدّ وضوحاً.

طبقات الثرثرة في المملكة ليس وحدها التي يمكن ملاحظة حركتها نحو الاعتدال والتقارب مع العالم الخارجي والتي تنعكس في الإعلام المطبوع والتلفزيوني. xxx أبلغنا بأن المتدينين المحافظين ينادون الصحيفة السعودية (الوطن) التي يملكها الأمير خالد الفيصل، (الوثن). xxx قال بأن شبكته يحال اليها على أنها xxx وأن الصحيفة اليومية العربية (الشرق الأوسط) التي تتميز بلون أخضر في صفحتها الرئيسة، تعرف بأنها (خضراء الدمن)، وهي ترمز الى واحدة من أحاديث النبي التي يحذر فيها الشباب من فساد المرأة الحسناء في منبت السوء.

تقول كل مصادر اتصالاتنا بأن عناصر متطرفة منعت بصورة كبيرة من صوتها العلني في الاعلام والتلفزيون، ولكنها وأن بقيت منكمشة إلا أنها تبقى قوة مؤثرة في السعودية. وحين لحظ المسؤول الاعلامي الأميركي بأن التقدّم الأمني الهائل الذي سمح له بالجلوس خارج مقهى ستاربكس المزدحم والذي يبعد فقط مجمعين عن قنصلية جدة ـ شيء لم يكن بالإمكان التفكير فيه قبل سنتين ـ هزّ xxx رأسه. أنتم (الأميركيون) لابد أن تأخذوا حذركم. فهم لا يزالوا هناك، حسب قوله، يشير الى المتطرّفين العنفيين.

في لقاء مع محافظ جدّة، وxxx، وxxx، كان واضحاً حين سئل عن جهود الحكومة السعودية في مواجهة التفكير المتطرف. قال: كان الملك عبد الله هنا، يشير حول مكتبه المعدّ بصورة جيّدة .... في جدة. وأبلغنا بأن العناصر المحافظة في المجتمع السعودي لا تفهم الاسلام الحقيقي، وأن الشعب بحاجة الى أن يتعلم على الموضوع. الملك عبد الله، حسب قوله، استعمل مجازاً حماراً يشرح كيف أن الشرطة الدينية تستعمل المقاربة الخاطئة. أخذوا عصاة وضربوك بها، وهم يقولون تعال يا حمار، حان وقت الصلاة. كيف يمكن أن يساعد هذا الناس على التصرف كمسلمين ورعين؟ نقل xxx ذلك عن الملك.

أبلغنا xxx أيضاً بأنه سيطر على مؤسسة xxx قبل شهرين فقط بتوجيه من وزير الاعلام، وأن واحدة من أوائل أوامر العمل كان القيام بتقليص دراماتيكي في قسم التحرير الموسّع. وكان واضحاً من خلال توجيه الحديث بأن xxx ينوي التأكيد على أن تتموضع الجريدة في خط مع رسالة الحكومة السعودية.

بالرغم من أن تسنّم المواقع التحريرية الرئيسية في السعودية يجب أن يحظى بموافقة وزارة الإعلام، إلا أن هذه الموافقة صارت من مهمات الوزارة الداخلية التي تتخذ الإجراءات العقابية ضد رؤساء التحرير والكتّاب الذين يرفضون اقتفاء توجيهات وسياسة الحكومة. في الماضي، لعبت وزارة الداخلية دوراً رجعياً وانفعالياً عبر المجلس الأعلى للإعلام، والذي يناقش المواد المثيرة للجدل ويعرّض المحرّرين الى التوبيخ أو يأمر بالفصل الوظيفي، وفي بعض الأوقات يحظر توزيع الصحيفة لفترة من الزمن.

بحسب مصادر اتصالاتنا فإن نظاماً أكثر فاعلية بات موجوداً الآن. وبدلاً من فصل الصحافيين المخالفين من الوظائف، أو اغلاق مطبوعاتهم، يتم فرض غرامة مالية على المحررين بقيمة 40 ألف ريال (10600 دولار)، تستقطع من مرتباتهم الشهرية لكل قطعة موضع اعتراض ويتم نشرها في جرائدهم. الصحافيون هم أيضاً يخضعون لنفس الحساب. وبدلاً من أن يأخذ المجلس الأعلى للإعلام في الرياض المبادرة في تعقّب ما يكتبه الصحافيون، هناك الآن لجان وزارة الداخلية في كل مدينة سعودية تعرف جيداً المجتمع، ولديها أذن حادة تسترّق من يتحدث عن أي شي. وإذا ما التقط هؤلاء المخبرون التابعون لوزارة الداخلية نمطاً مشكوكاً فيه في كتابة صحافي ما (أو حتى سمعوا عبر قنوات بأنه أو أنها تتجه نحو مسار محدد من التحقيق)، فإنهم سوف يدعون الصحفي للحديث معه، وفي غضون ذلك ستتم مناقشة جذور وجهات النظر تلك، واقتراح مقاربات بديلة، والسؤال عن العائلة، الخ.. تقول مصادر اتصالاتنا، بأن هذه الآليات كانت فاعلة جداً في لجم الرأي الإعلامي الذي لا تحبّه الحكومة السعودية.

تمثل صحيفة الحياة العروبية استثناءً في الإعلام السعودي، وهي يمتلكها نائب وزير الدفاع خالد بن سلطان. البيئة التحريرية في جريدة الحياة أكثر حيوية. xxx أخبرنا بأن خالد بن سلطان لم يورط نفسه في أعمال الصحيفة، طالما أنها لا تنتقد العائلة المالكة أو سياسة الحكومة السعودية. الحياة، حسب شرحه، ذات مصداقية في العالم العربي أكثر من منافستها الشرق الأوسط، وإن عليها أن تكون أجرأ من أي صحيفة ورقيّة سعودية. الى جانب ذلك، يقول xxx، المعلومة تعني القوّة بالنسبة لآل سعود، وإن امتلاك الحياة، يعطي خالد بن سلطان المزيد من النفوذ في العائلة.

تعليق: الى جانب مبادرات أخرى مثل حوار الأديان وخطط الإصلاح التعليمي، فإن الحكومة السعودية أخذت بوضوح قراراً إستراتيجياً بفتح البلاد على الرأي، ووجهات النظر والثقافة في الخارج، لجهة بتر آثار الأيديولوجية والرؤية المتطرفة التي تهدد حكم آل سعود. وفي الوقت نفسه، قام الأمراء بغربلة طرق السيطرة على المحررين والصحافيين في مسعى للسيطرة على انتشار الأفكار المعارضة الأخرى.

مراكز التفكير والأبحاث السعودية

يحتل الإنفاق على المجال البحثي حيزًا كبيرًا من المساعي السعودية لتدعيم طموحات ورؤى هذه الدولة المضادة لثورات الربيع العربي – وهو حيز قد يوازي ما يُنفق على شركات العلاقات العامة وجماعات الضغط واللوبي في الغرب.

وتعتمد السعودية على مراكز الأبحاث والتفكير لترسيخ وشرعنة رؤيتهما في عدد من المجالات المتباينة ابتداءً بعلاقة حركات الإسلام السياسي بالإرهاب، مرورًا بالرؤى الإستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط والتحالفات فيها، وانتهاءً بالحملات الدعائية السلبية ضد عدوها المتمثل بمحور المقاومة ومؤسساته.

كما يأخذ الاستثمار السعودي في البحث العلمي أشكالًا عدة، أبرزها إنشاء مراكز أبحاث ومراكز تفكير وطنية، وتمويل مراكز إقليمية وغربية، وإقامة شراكات مع مؤسسات دينية ومجتمعية بهدف التغلغل فيها، وكذلك إقامة شراكات مع منظمات دولية.

تستعرض السطور التالية أبرز مراكز الأبحاث والتفكير السعودية، والمراكز الأجنبية الحاصلة على تمويل السعودية.

أولا: مراكز الأبحاث السياسية والاجتماعية والإستراتيجية

1.مركز المسبار للدراسات والبحوث

تأسس مركز المسبار عام 2007 من قِبل الصحفي السعودي تركي الدخيل بإمارة دبيّ وتمويل إماراتي كبير – بحسب الجزيرة – الذي قد يصل لتحويلات سنوية بقيمة 12 مليون درهم من ولي عهد أبو ظبي للمركز. يركز المركز على "الظاهرة الثقافية بأبعادها الفكرية والاجتماعية والثقافية"، ويتخصص في دراسة حركات الإسلام السياسي والظاهرة والحالة الدينية في العموم، وينعكس التمويل الإماراتي في تماهي إنتاج المركز مع موقف الإمارات من الحركات الإسلامية والسياسية. (بل إن المركز قبل تسلّم محمد بن سلمان ولاية العهد كان محلّ انتقادات من شخصيات سعودية كبيرة واتهامات بالتجسس لصالح الإمارات وإهانة السعودية).

أقام المركز شراكات مع مؤسسات كبرى، أبرزها اتفاقية التعاون مع منظمة اليونسكو لدعم الشباب وحوار الثقافات ومحاربة التطرف العنيف والإرهاب في فبراير/شباط 2015، ومنها أيضا أنشطة مشتركة مع مركز جنيف لسياسات الأمن ومعهد أبحاث السياسة الخارجية في فيلادلفيا.

وينشط المركز في مجال النشر حيث نشر قرابة الألف كتاب حول مواضيع سياسية وفكرية ودينية مختلفة. كذلك ينشر المركز تقريرًا أسبوعيا "للإرهاب والعنف السياسي"، كما تصدر عنه "سلسلة المفاهيم" بمساريها العام ومسار آخر ينصب على المفاهيم الإشكالية في الوعي الإسلامي المعاصر.

ويعمل بالمركز كباحث ومستشار الكاتب والمتخصص في الشرق الأوسط والزميل بمعهد دراسات السياسة الخارجية جوزيف براودي. وفي ندوة مشتركة بين المركز ومعهد دراسات السياسة الخارجية في واشنطن في فبراير/شباط 2013 حول "الإخوان المسلمين والغرب،" علّق براودي على رؤية مركز المسبار للمسار الذي اتخذته ثورات الربيع العربي، الذي يعتبره المركز تراجعا من شأنه أن يؤدي إلى أشكال أسوأ من السلطوية.

وإن كان المركز يحاول الوصول لدرجة كبيرة من الاحترافية إلا أنه ما يزال في طور بناء شبكات علاقات مع الباحثين الغربيين والمؤسسات الكبرى، وهو ما انتقده براودي في الندوة كذلك حين علّق على ضعف العلاقات التي تربط مراكز التفكير في واشنطن بمركز المسبار وأهمية الإنتاج البحثي للأخير لفهم الباحثين في واشنطن لشريحة أوسع من المجتمعات في الشرق الأوسط.

كما قدم براودي المركز للحاضرين بصفته "موردًا لدعم مصالح الولايات المتحدة في العالم العربي اليوم" واحتفى بمدير المعهد منصور النقيدان الذي انتقل من صفوف الحركات المتطرفة في شبابه إلى ناقد للوهابية، واحتفى كذلك برئيس المركز تركي الدخيل" وإتاحته منصات للإصلاحيين وتحدّيه لرؤى المتطرفين" عبر الأنشطة الإعلامية للأخير.

2.معهد دول الخليج العربي في واشنطن

تأسس معهد دول الخليج عام 2015 باقتراح من الأكاديمي المصري الدكتور عبد المنعم السيد رئيس مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية وبتمويل إماراتي-سعودي خالص. ويهدف المركز إلى توسعة التغطية التي تحظى بها منطقة الخليج في الغرب لرسم صورة أوضح عن المنطقة، وهو ما ينعكس في إنتاج المركز الذي يغطي بالإضافة إلى القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية قضايا البيئة والثقافة والفنون في الخليج، وكذلك العلاقات السعودية مع دول آسيا وأفريقيا.

وقد صدرت بالفعل بعض التصريحات لباحثين بالمركز التي تخالف صراحةً آراء السعودية والإمارات حول مسائل تتعلق بإيران وتمويلها لميليشيات الحوثي في اليمن أو مسائل الحقوق السياسية والمساءلة في الخليج.

وينظم المركز فعاليات منتظمة عن مختلف الموضوعات، تتنوع بين مؤتمرات وورش عمل ولقاءات مع مسؤولين وممثلين عن مراكز بحثية أخرى وباحثين مستقلين ومنظمات دولية. ويعقد المركز سنويا "منتدى الإمارات للأمن" حيث يجتمع المركز بممثلين عن الإمارات والولايات المتحدة الأمريكية والشركاء الإقليميين ومنظمات دولية غير حكومية ومؤسسات تنموية لبحث الأزمات العالقة في المنطقة وسبل وإمكانات حلّها.

3.مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية

تأسس مركز الملك فيصل في الرياض عام 1983 من قِبل مؤسسة الملك فيصل الخيرية، وبدأ أعماله كمكتبة لحفظ الوثائق. ورغم وجود نشاط بحثي خاص بالمركز وإصداره مجلات بحثية إلا أن إدارة البحوث لم تتأسس سوى عام 2013 لتتناول المسائل السياسية والإستراتيجية والثقافية، وتندرج تحت تلك الإدارة وحدات الدراسات الأمنية، والفكر السياسي المعاصر، والاقتصاد السياسي، ودراسات أفريقيا، والدراسات الآسيوية. ويرأس مجلس إدارة المركز الأمير تركي الفيصل بن عبد العزيز آل سعود.

تعكس إصدارات وأخبار المركز التوجهات الرسمية السعودية خاصة فيما يتعلّق بمسألتي حرب اليمن والشأن الإيراني. ويشارك المركز ورئيس مجلس إدارته باستمرار في لقاءات ومنتديات دولية ويعقد مؤتمرات سنوية (منها مؤتمر الفكر السياسي الإسلامي) بحضور شخصيات أكاديمية عربية وأجنبية.

كما يعقد المركز شراكات مع مؤسسات دولية، كاتفاقية شراكة مع جامعة كينغز لندن لإطلاق مشروع بحثي مشترك عن الجماعات والتنظيمات ـ ما دون الدولةـ (غير الحكومية) المؤثرة في الساحة السياسية العربية، وكذلك اتفاقية تعاون ثقافي وعلمي مع الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب. ومن اللافت للنظر كذلك تدشين المركز لنسخة موقعه الإلكتروني باللغة الصينية.

4.مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

تأسس مركز المستقبل في أبو ظبي عام 2013 كمركز تفكير مستقل يُعنى بدراسات الاتجاهات المستقبلية في الشرق الأوسط والعالم. ويقع نشاط المركز ضمن "خمسة برامج رئيسية لدراسة التحولات السياسية، وتقدير الاتجاهات الأمنية، وتحليل التوجهات الاقتصادية، وتقييم التفاعلات الاجتماعية، ومتابعة التطورات التكنولوجية".

كما يصدر المركز "اتجاهات الأحداث" الشهرية، وتقارير استراتيجية دورية عن التفاعلات الرئيسية في الشرق الأوسط، وسلسلة دراسات المستقبل. كما يشمل عمل المركز برنامجًا "لدعم الكوادر الأكاديمية عبر منح أكاديمية، ودورات تدريبية، وتفاعل مع الجماعة العلمية والمؤسسات العامة".

وبحسب الموقع الإلكتروني للمركز، فهو من الناحية القانونية يعتبر شركة خاصة، ويفصح الموقع عن مصادر تمويل المركز التي تتنوع بين ما يوفره مجلس الإدارة ومؤسسات حكومية ومانحين وعوائد النشر والإعلان بالمركز. وحسب تقرير على موقع "بحرين ووتش" فإن مركز المستقبل بالتعاون مع السفارة السعودية في واشنطن هما جهتا التمويل الرئيستان لمعهد دول الخليج العربي في واشنطن.

5.مركز سمت للدراسات

تأسس مركز سمت عام 2017 في الرياض، ويتسع نطاق عمله ليشمل – إلى جانب البحوث والتقارير والإحصاءات – تقديم الاستشارات للدول والمنظمات وصانعي القرار، وإدارة السمعة للشركات والمنظمات.

كما يندرج تحت المركز عدد كبير من الوحدات المتخصصة في الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكذلك في الدراسات التركية والإيرانية، ودراسات عن رؤية السعودية 2030، كما يعمل على ملف عن التطرف والإرهاب. وتعكس منشورات المركز المختلفة بوضوح توجهات الحكومة السعودية تجاه الإخوان المسلمين وقطر وتركيا وإيران وغيرهم ممن تعتبرهم المملكة خصومًا لها.

وبعد عام من إنشائه دشّن المركز في أبريل /نيسان 2018 منتدى سمت الدوري ليكون منصة تجمع الباحثين المهتمين بالشؤون الإقليمية والدولية تقعد فيه ورش العمل واللقاءات لبناء الإستراتيجيات واستشراف المستقبل.

ثانيًا: مراكز أجنبية ممولة من السعودية

يستهدف التمويل السعودي غالبية مراكز الأبحاث الكبرى أبرزها:

1.تشاثام هاوس (المعهد الملكي للشؤون الدولية)

2.معهد بروكينجز

3مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية

4معهد الشرق الأوسط

5. مركز برنت سكوكروفت للأمن الدولي

6. مركز الأمن الأمريكي الجديد

7.مؤسسة دعم الديمقراطيات – Foundation for Defense of Democracies (FDD)

8.المجلس الأطلنطي – The Atlantic Council

الخاتمة

من خلال ما ورد في هذه الدراسة، نلاحظ أن أغلب المنافذ الإعلامية كانت مملوكة بصورة مباشرة أو غير مباشرة لأحد أفراد الأسر الحاكمة في السعودية؛ مما يجعل الإعلام السعودي "إعلام أمراء لا إعلام مجتمع"، وهذه النماذج الإعلامية تُعَبِّر عن وجهة نظر سعودية خالصة؛ فبالرغم من الشعارات المختارة "الشرق الأوسط: جريدة العرب الأولى"، و"قناة العربية: أن تعرف أكثر"...، فإن الأهداف العامة لهذه التجارب تتحدد في نشر وترويج وجهة نظر الأسرة السعودية الحاكمة ومحاولة رسم أطر جديدة لاتجاهات الجمهور العربي سواء داخل الحدود الجغرافية العربية أو خارجها بشأن قضايا تهم الشأن "الخليجي" أو تعبِّر عن موقفه من القضايا الأساسية الكبرى والإعلام السعودي مُوَجَّه في مجمله للخارج في صورته الإقليمية أو العربية أو الدولية وكأن المتلقي المستهدَف لهذا الإعلام هو المتلقي الخارجي فقط.


الكاتب: غرفة التحرير