03:57 بتوقيت القدس المحتلة

الجمعة 20 آب , 2021

قرار استيراد النفط الإيراني في أبعاده التكتيكية والاستراتيجية

جاء قرار استيراد النفط من الجمهورية الإسلامية على وقع الانهيار الاقتصادي في لبنان، يحمل في طياته مضامين عدّة، لا تتوقف عند مدّ السوق اللبنانية بمادة البنزين أو المازوت كسلعتين يحتاج لهما الشعب اللبناني فحسب، إنما ينسحب على رسم مستقبل جديد للبنان، وفرض معادلات استراتيجية كبرى، لا يستطيع الأميركي والإسرائيلي تحمّلها.

فمنذ عدة أسابيع يطرح حزب الله فرضية التوجّه نحو إيران أو غيرها من الدول للاستفادة من العلاقات الدولية القائمة بين الجمهورية اللبنانية والدول الصديقة لرفع الأزمة الخانقة عن الشعب اللبناني، وما تستتبعه من أزمات مرتبطة بمسألة المازوت والبنزين.

بداية أخذت السفارة الأميركية هذه الفرضية على نحو الاستهزاء، وكذلك تبعها عملاؤها في لبنان، ولم يعيروا المسألة اهتماماً جدياً بسبب قصر نظرهم وإمعانهم باحتكار السوق والسلع النفطية وإحكام الخناق على الشعب بمزيد من الحصار الاقتصادي والانهيار المالي، ولم يدرك هؤلاء العتاة أنه بإمكان فريق وازن كحزب الله أن يكسر الحصار النفطي.

عندما اشتدت الأزمة النفطية وتبعها احتكار مهيب لتجار السوق السوداء واستفحل الغضب الشعبي، عمد حزب الله إلى التواصل مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي أبدت موافقتها السريعة، ثم حاور الأفرقاء اللبنانيين بجدية القرار واستمزج آراءهم في محاولة إدخال النفط مباشرة إلى لبنان، ثم دخل مرحلة إنجاز المسائل اللوجستية حتى أتمّها، فكانت كلمة الأمين العام الشهيرة بأن وضع الأمر في عهدة الدولة اللبنانية بادئ الأمر لمعالجة مسألة الاستيراد، سواء من إيران أو العراق أو حتى الدول المعادية لمحور المقاومة، وإن تقاعست وهو حالها الدائم، فسيضطر إلى تأمين النفط بنفسه، وقد بدأت فعلاً رحلة تأمين المازوت والبنزين، وأبحرت السفينة الأولى إلى السوق المحلية اللبنانية.

وفي هذا الإطار يمكن استخلاص استنتاجات متعددة عمّا يعنيه قرار استيراد النفط من إيران حصراً، في البعدين المحلّي والاستراتيجي، سواء داخل لبنان أو خارجه، ومن أبرز معاني القرار الجريء.

  1. في البعد المحلي
  1. شعر اللبنانيون، على اختلاف مناطقهم وطوائفهم، وحتى انتماءاتهم الحزبية المناوئة لحزب الله التي تبعدهم عن التلاحم الوطني، بارتياح عام وأملوا بمزيد من الحلول تطال المواد الغذائية والدواء والوضع الاقتصادي برمّته.
  2. نجاح الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بتقديم نفسه مخلّصاً فعلياً لكل لبنان واللبنانيين، وأنه الزعيم الأوحد الذي يحمل همّهم بجدّ ويعمل على اجتراح الحلول. في مقابل جلاء صورة الزعماء السياسيين اللبنانيين الموغلين في الحصار وخلق الفتن والأزمات.
  3. كسر احتكار الشركات الكبرى الدائرة في فلك الأميركي ومن ورائها الزعماء اللبنانيون، الذين يحكترون السوق اللبنانية وإخضاعها لمزاجهم والتحكم بأسعار السلع دون رأفة بالشعب، ما يدفعهم إلى إعادة حساباتهم لوجود منافس جديد لهم قد تأتي مفاعيله بتدني الأسعار وعدم حصرية الاستيراد.
  4. استطاع حزب الله ليس كسر حصرية التعامل مع الدول التابعة للإدارة الأميركية فحسب، إنما فرض معادلة جديدة تقوم على مبدأ التوجّه شرقاً وكان قد طالب الدولة اللبنانية العمل بها منذ أمد بعيد،على رأس قائمتها التوجّه نحو إيران، ما يعطي لبنان حرية تجارية واقتصادية تبتعد شيئاً فشيئاً عن التحكّم الأميركي.
  5. كشف قرار استيراد النفط الوجه الحقيقي للعاملين على حصار الشعب اللبناني، سواء كان من الخارج عبر السفارة الأميركية في عوكر أو إسرائيل أو بعض الدول العربية الخليجية، وقد بدا واضحاً سرعة الاتصالات التي أجرتها دوروثي شيا على مختلف الصعد واستعجالها بتفادي المأزق الذي سببه قرار الاستيراد لإدارتها، أو كان من الداخل ممّن ارتفعت أصواتهم مزعوجة من قدرة حزب الله على مد يد العون لهذا الشعب، وبمن يُفترض بهم أن يعملوا على حلّ الأزمات، كرئيس الحكومة السابق سعد الحريري وعناصره المؤتمرة به من تيار المستقبل، أو ما صدر عن سمير الجعجع المرتمي بأحضان شيا ومحمد بن سلمان، وسامي الجميّل وابن عمه نديم بعد فشل حزب الكتائب بالتأثير على مقومات صمود اللبنانيين من خلال اعتماد وجه المنظمات والجمعيات غير الحكومية المدعومة اميركياً وسعودياً باعترافهم، وكذلك فؤاد مخزومي الذي عاجل لتقديم أوراق اعتماده لدى الأميركيين طمعاً في ترشيحه لمنصب رئيس حكومة في يوم من الأيام، وغيرهم الكثيرين ممن ارتفعت أصواتهم أو سترتفع،  وما كان هدف الحصار الأميركي بأدواته اللبنانية إلا إخضاع اللبنانيين وجرّهم أذلّاء إلى السجن الأميركي، فباءوا جميعاً بالفشل.
  6. كسر الحصار الأميركي على لبنان بما يتعلق بالمشتقات النفطية، وقد يشرّع الباب واسعاً أمام حركة تجارة المواد الغذائية والأدوية والآلات والتقنية الإيرانية بشكل رسمي، وقد بدأت طلائع هذه الحركة التجارية منذ فترة بافتتاح صالات "نور" لتخفيف الضغط الاقتصادي عن كاهل الشعب.
  7. يأخذ أصل القرار مواجهة جديدة مباشرة بين حزب الله بالتحديد ومعه فئة من الشعب اللبناني في مقابل السفارة الأميركية في عوكر ومن خلفها إدارتها في واشنطن، ومعها أتباعها من وكلاء وعملاء محليّين، في وقت يشهد الأميركي انكساراً إقليمياً ودولياً، بدأ في الساحة اليمنية، تبعه قرار الانسحاب من العراق تحت ضغط العمليات العسكرية النوعية وضرب أرتاله العسكرية، ثم الانسحاب الفعلي من أفغانستان بعد احتلال دام لعشرين عام، عجز الجيش الأميركي عن تأمين قيادة سياسية وعسكرية قادرة على تأمين المصالح الاستراتيجية، فكان الانسحاب الذليل وظهرت صورتها المنكسرة ومعها انهيار عملائها، وذكّرت بانهزامها في فيتنام واندحارها وترك عملائها يلاقون حتفهم دون اكتراث لهم.
  8. دخول حزب الله إلى الساحة الدولية كقوّة فاعلة في المياه الدولية والإقليمية، وهو ما تعجز عنه الدول العربية وغيرها، بعد فرض معادلة اعتبار ناقلة النفط أرضاً لبنانية يتوجب عليه الدفاع عنها حتى وإن تقاعست الدولة لوجود أغلب زعمائها ضمن فريق السفارة الأميركية الفارضة للحصار على الشعب اللبناني، ما يُعتبر بسط ذراعه إلى البحار بقوة توازي قوة بعض الدول الكبرى لحماية مصالح الشعب اللبناني، وهو أمر بالغ الخطورة على الإدارة الأميركية ومن خلفه الكيان الصهيوني.
  1.  في البعد الاستراتيجي
  1. يؤكد استيراد النفط من إيران كسر الحصار المفروض على لبنان، فبات بإمكان دول الشرق أن تخترق السد الأميركي، وعليها الاستفادة من المعادلة الجديدة للاستثمار الاقتصادي، سواء من الصين أو روسيا أو بتفعيل المزيد من العلاقات التجارية والاقتصادية مع إيران.
  2. كذلك فإن استيراد النفط من إيران، هو كسر هيبة الأميركي على وجهين، الأول فتح المزيد من الأسواق للاستثمار الإيراني، الذي بلغ سواحل فنزويلا وها هو اليوم يصل إلى السوق اللبنانية، أما الجه الآخر لكسر الهيبة الأميركية هو اختراق حزب الله للحصار الأميركي المفروض على إيران.
  3. استطاع الأمين العام لحزب الله من رفع أعباء حماية السفينة النفطية عن كاهل إيران بصفتها الحليف والداعم، وأدخلها ضمن الأراضي اللبنانية التي يتحمّل مسؤولية الدفاع عنها.
  4. فرض معادلة الأمر الواقع الجديدة على الكيان الصهيوني الذي طالما هدّد بضرب السفن النفطية التي ستدخل لبنان، بالانتباه جيّداً إلى أن منشآته النفطية وموانئه وسفنه ليست بعيدة عن متناول يد حزب الله، الأمر الذي يجعل من هذا العدو مكبّل اليدين لا طائل لقوته من التعرّض لسفينة نفط حزب الله لا سيّما بعد اعتبارها أرضاً لبنانية، وهو تحدٍّ جديد وكبير يزيد من المأزق الإسرائيلي.
  5. استطاع حزب الله أن يضع الكيان الغاصب في حالة حيرة من أمره، فإن أقدم على تنفيذ تهديده فإنه سيواجه رداً حاسماً حازما بمقتضى المعادلات التي رسمها حزب الله، وهذه المرة سيكون أغلب الشعب اللبناني مؤيداً له بعد مرور فترة زمنية شاقة للحصار النفطي التي يتعرض له. أما بحال لم يرد العدو الإسرائيلي على إدخال السفينة النفطية فإنه سيظهر مرة جديدة في موقع العاجز عن تنفيذ تهديداته، وقدرة حزب الله مرة أخرى على العمل بواقع قوّته المتصاعدة. وإن كلا الأمرين يسبب حرجاً سياسياً وعسكرياً للقيادة الصهيونية بمختلف متفرعاتها.
  6. بروز معطيات قوة جديدة لحزب الله، بعدما أثبت بقوته البرّية وانتشاره على مساحة جغرافية تعجز عنها أغلب الدول الكبرى، وقد أضاف إلى قوته فوة أخرى رفعته من القوة الإقليمية إلى القوة العالمية.
  7. أكثر السيد حسن نصر الله من ذكر السفارة الأميركية في وكر عوكر، وحمّلها على امتداد الأزمة مسؤوليتها عنها، غير أن الجديد في خطاب العاشر من المحرم خلع عنها الصفة الدبلوماسية الدولية، ما يستبطن تهديداً لها عملاً بمعادلة إخراج أميركا من المنطقة، وقد نبّه عملاءها في خطاب سابق غير بعيد أنهم ليسوا خصوماً بل أعداء، ويترافق الخطابان مع مجريات أحداث أفغانستان وما حلّ بعملائها فيها.

لذلك وانطلاقاً من النتائج والاستنتاجات السابقة، فإن مسألة استيراد النفط من إيران مباشرة لحزب الله أو حتى للدولة اللبنانية هو قرار تاريخي يعادل عملية "الوعد الصادق" التي نعيش ثمارها المعنوية والمادية على امتداد خمسة عشر عاماً، إلا أن ذلك لا ينفي حالة الاستنفار الدولي والمحلي والترقّب الحذر في حال أقدم العدو الأميركي أو الإسرائيلي أم أحد أتباعهما على عمل أحمق قد يجرّ المنطقة كلّها إلى الحرب بفعل العنجهية والاستبداد.


الكاتب: د. حسن محمد