السبت 04 أيلول , 2021

فرنسا وكيل عن أمريكا في العراق؟

تسوّق فرنسا لنفسها في العراق وفي دول المنطقة، عبر سياسات "انفتاحية" جديدة ومختلقة عن السياسات الأمريكية التي تسببت بالأزمات. لكن الحقيقة والواقع أنها مجرّد أداة بديلة لواشنطن لكي تحافظ على "الإرث الأمريكي". وما تزال الآراء منقسمة، حول قدرتها الفعليّة على إحداث تغيير جدّي في العراق، فالولايات المتحدة التي كان يُنظر اليها كـ "قوة عظمى" تنسحب دون إنجازات، ولاسيّما مع تجربتها السياسية في لبنان، "المبادرة الفرنسية"، التي لم تثمر.     

وبين اعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن "بلاده ستبقي على وجود قواتها في العراق في إطار مكافحة الإرهاب، وأنّ القوات باقية في العراق ما دام يريد ذلك بصرف النظر عن موقف واشنطن"، والمشاركة الرسمية في مؤتمر "بغداد للتعاون والشراكة"، يبدو أنّ للفرنسي مشروع مرتبط بفهم السلوك الأمريكي من خلال إعادة ترتيب أولوياته بعد اعلان انسحاب قواته من أفغانستان من جهة، والدور الذي يمكن أن تلعبه فرنسا كوكيل للولايات المتحدة والغرب لاستكمال إدارة الملفات والأزمات العالقة. لا يخفى أنّ الأوضاع الراهنة تحفل بالتحديّات، فانسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان كما يقيّمه الخبراء الامريكيون، قد يقوّض مصداقيتها في شراكاتها الأمنية العالمية، بما فيها شراكاتها في الشرق الأوسط. كما أنّ طبيعة الانسحاب المشوبة بالاضطرابات تسلط الضوء على التكاليف المترتبة عن انهاء الالتزامات الجارية. من هذا المنطلق يبدو أن إدارة بايدن ستركّز على الخطط القابلة للتنفيذ والداعمة لشركائها وحلفائها في الشرق الأوسط. ففي العراق بشكل خاص، تؤكد الولايات المتحدة على استمرارية دور الناتو نظرا لتكاتف المصالح المشتركة بين الإدارة الامريكية وحلفاءها الأوروبيين وعلى رأسهم فرنسا.

ظهرت فرنسا في السنوات الأخيرة بمظهر الفاعل المشارك في تنفيذ السياسات الامريكية في عدة ملفات في المنطقة، وربما المنافس لأمريكا على النفوذ وعلى أسواق الطاقة في غرب اسيا وافريقيا.  وعلى الرغم من محاولتها الاحتفاظ بموروثها الاستعماري القديم خاصة في لبنان -الذي يشكّل بالنسبة اليها مثالا تفاعليّا للأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية مع مشهدية جيوسياسية عامة، واعتبار دوائر السياسية الخارجية الفرنسية أنّ لبنان هو بلد أساسي لتحقيق التوازن الإقليمي-الا أنه يبدو أنّ التفاعل الفرنسي في المشهد اللبناني بدا أقل تأثيرا من المتوقع نسبة للتدخل الأمريكي والسياسات الامريكية الحاكمة للظروف المحيطة بلبنان وأزمته. اعطى هذا الامر انطباعا ان فرنسا لم تعد دولة نفوذ ولا تأثير بقدر ما أصبحت دولة تابعة للسياسات الامريكية، تتدخل وفقا للمتغيرات والظروف والابعاد التي تحددها الإدارة الامريكية ولو على حساب مصالحها كدولة نفوذ وهيمنة، فقدت الطابع المؤثر الانفرادي الذي طالما حافظت عليه منذ سنين طويلة.

إن النظرة الفرنسية للعب الأدوار في لبنان او العراق او سوريا، هي نظرة اقتصادية بشكل أساسي، إلى جانب وجهات النظر السياسية والأمنية. ومع أن لکل نفوذ أدواته الخاصة، تعمل فرنسا على تمهيد سلسلة من الإجراءات والتنازلات للدول التي تريد النفوذ والتأثير فيها. وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة الی المعاهدات الأمنية - الاستراتيجية، والاتفاقيات التجارية والعلاقات السياسية والدبلوماسية. وبما أنّ فرنسا تنتمي إلى الكتلة الغربية (الناتو)، لكن طغت الولايات المتحدة علی سياستها، حيث لا يمكنها أن تنافس کثیرا مع هذا البلد ما لم تتفق مع واشنطن. هذا في الوقت الذي من المرجح ألا تسمح فيه الولايات المتحدة لفرنسا بلعب دور رئيسي في المنطقة. جسّد صعود تنظيم "داعش" الإرهابي في العراق، وانضمام مئات الفرنسيين الى التنظيم الإرهابي الذي كان له دور أيضا في العديد من العمليات الإرهابية التي ضربت فرنسا، مدخلا أساسيا اعتمدته الإدارة الفرنسية للدخول على خط التشبيك الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة الامريكية فيما يسمى بالتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب. في هذا الصدد، تعتبر القواعد العسكرية الفرنسية في الأردن والامارات ضرورية لاستعراض القوة الفرنسية في المنطقة بشكل مستقل إذا لزم الأمر، حتى لو ظلّت القدرات الامريكية أساسية في مكافحة الإرهاب.

اليوم، بعد اعلان إدارة بايدن الانسحاب العسكري من أفغانستان، يبدو أنّ الدور الفرنسي قد حان ليكون بديلا، يتحرك كفاعل للتغطية على الانسحاب من أفغانستان أوّلا، الذي وان كان معلنا في مرحلة سابقة الا أنّه شكّل صدمة وخلق حالة من الارباك لشركاء الولايات المتحدة خاصة في حلف الناتو. ثانيا، لعب دور مستقبلي في مرحلة ما بعد الانسحاب من العراق وربما من سوريا إضافة الى لبنان كبديل جاهز، وفاعل تنفيذي للمصالح الامريكية-الفرنسية المشتركة ظاهريا، لكن بالتأكيد مخوّل ليتحرك في العراق في كل الاتجاهات لبناء علاقات متنوعة ومتينة مع مختلف التيارات والتوجهات الفكرية والسياسية والعقائدية في العراق، لتثبيت وجوده كبديل عن الأمريكي-الذي يبدو انه يهيئ للانسحاب من العراق في مرحلة ما بعد افغانستان- وللتشبيك مع مختلف القوى العراقية الفاعلة على الأرض للتنسيق معها والتعاطي مع كل الاستحقاقات السياسية والأمنية والعسكرية في العراق بحذر وليونة.

تتحرك فرنسا اليوم في العراق على رأس الدبلوماسية النشيطة التي تمثل جزءا أساسيا من استراتيجية الإدارة الامريكية الحالية في السياسة الخارجية. ففرنسا أكثر فاعل دولي في المرحلة الحالية وفقا لإدارة صنع القرار الامريكي، قادر على القيام بهذا الدور من خلال:

_ احتواء الساحة العراقية لتكون مهيّأة لاستمرارية النفوذ والتأثير الأمريكي والغربي لمواجهة أي محاولة من قبل فاعلين اقليميين ودوليين اخرين الدخول الى الساحة العراقية والمقصود هنا، إيران، وروسيا والصين.     _ تقديم فرنسا نفسها في مبادرات شكلية (زيارة منطقة الكاظمية ومعالم مدينة الموصل..) كمدافع أول عن القيم الثقافية والإنسانية والدينية في مواجهة الإرهاب الداعشي.

_ مغازلة البيئة الشيعية في العراق ومن خلالها كل القوى الشيعية الفاعلة سواء كانت المتصلة بالمرجعية الدينية او السياسية أو العسكرية والأمنية، وتحديدا الحشد الشعبي. يذكرنا هذا الدور بمبادرة ماكرون التواصل مع حزب الله في لبنان ابان انفجار مرفأ بيروت في اب من العام الماضي واندلاع الازمة، والتي كانت محاولة من قبل فرنسا لإعطاء انطباع بأن سياستها الخارجية تختلف عن السياسة الامريكية، وان انفتاحها على حزب الله هدفه منح فرصة للبنانيين لحل أزمتهم السياسية والاقتصادية المتراكمة. لكن الدور الفرنسي لم يكن الا مشهد من مشاهد المهادنة والمراوغة السياسية الامريكية، وتبادل أدوار وتمايز في المسارات التي هي في الحقيقة تهدف لتحقيق نفس المصالح الفرنسية-الامريكية المشتركة، من الهيمنة والسيطرة على سلطة القرار اللبناني واقصاء حزب الله من المشهد السياسي ومحاصرته ومن خلاله محاصرة كل لبنان.

   _ ارسال تطمينات لحلفاء أمريكا في الداخل العراقي بأنّ الوجود الفرنسي قادر على سد الفراغ في حال انسحبت أمريكا من الأراضي العراقية.

_ التأكيد على استمرارية التدخل في الشؤون الداخلية للعراق خاصة وأن البلد يتهيأ لاستحقاقات انتخابية هامة سيكون لها تداعيات على مستقبل العراق داخليا وإقليميا وعلى مستوى المنطقة

  _ قد يكون التدخل الفرنسي محاولة لكسب موقع متقدم في العراق يسمح لها بالتحرك على الساحة العراقية، مستغلّة في ذلك الانسحاب الأمريكي، لكن هذا التحرّك لن يكون بمعزل عن الهيمنة الامريكية نتيجة البنية التحتية الموجودة، الأمريكية الصنع منذ احتلال العراق في 2003

 _ استثمار الجهود الإنسانية وجهود تحقيق الاستقرار في العراق وحتى في سوريا التي طالما تغّنت بها السياسة الخارجية الفرنسية منذ 2014 الى غاية اليوم.

_ تعمل الدبلوماسية الفرنسية على توضيح أن أي جهود ستقوم بها لا يمكن أن تنجح على المدى الطويل بدون حلول سياسية مواتية ومتناسقة مع الخيارات الامريكية والغرب في العراق، لذلك يعمل الرئيس الفرنسي على تسويق فكرة أنّ البعد الأمني في مكافحة الإرهاب هو قصير المدى، لذلك يجب أن يتوّج بجهود طويلة المدى للمساهمة في العمليات السياسية المتعددة الأطراف في العراق.

على الرغم من المحاولات الفرنسية المتكررة للعب دور الريادة في قضايا وأزمات المنطقة الا أنها فشلت في التأسيس لسياسة دبلوماسية حقيقية قادرة على تخطيّ الهيمنة الامريكية وتأثيرها المباشر. لقد تغيرت الدبلوماسية الفرنسية وتوجهات السياسة الخارجية التي طالما كانت ذات بصمة واضحة في العديد من الملفات. فبتغير الشخصيات والقيادات في فرنسا- مع الانتقادات اللاذعة الموجهة لماكرون اليوم وادارته داخليا وخارجيا- تغيرت السياسات وباتت الإدارة الفاعلة في فرنسا، إدارة مربكة تتأثر بمخرجات بعيدة كل البعد عن خياراتها واستراتيجيتها وحتى عن مصالحها المباشرة. من هذا المنطلق، على المتابعين والمراقبين للتحولات والتغييرات في المنطقة، وارتدادات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، عدم المراهنة على الفرنسي، والتعامل مع سياساته على أساس انها توجهات مخالفة للهيمنة الامريكية او لمنطق القوة والسيطرة.

اٍنّ قراءة كيفية إدارة الأمريكي لملفات المنطقة بعد الانسحاب من أفغانستان عن طريق وكلاءه الغربيين وعلى رأسهم فرنسا، يفتح الباب امام العديد من التساؤلات حول دور فرنسا في إدارة أزمات ما بعد الانسحاب الأمريكي؟ انطلاقا من فكرة ان إدارة السياسة الخارجية في فرنسا مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمركز الا وهو السياسة الخارجية الامريكية.

من هذا المنطلق، إذا ظهر في السلوك الفرنسي في العراق، "هامش حرية" لا ينسجم مع التوجه العام للسياسة الأمريكية فهذا قد يعيننا على فهم نوع الارتباط: ان كان صراعا أو تنافسا داخليا بين المكونات الفاعلة داخل العمق الأمريكي المنقسم بين من يؤيد الانسحاب الفوري من العراق مع تحمّل تبعات ذلك، وبين من يرفض الانسحاب ويعتبره اعلان هزيمة وفشل عسكري واستراتيجي، خاصة وأنه سيترك الساحة العراقية مفتوحة أمام من يعتبرهم أعداء للمصالح الامريكية في المنطقة وعلى رأسهم إيران. يعطي هذا الاستنتاج انطباعا على أنّ الفرنسي وبدخوله الساحة العراقية الان وفي هذه الظروف قد لا يكون مؤهلا بالقدر الكاف للمحافظة على الإرث الأمريكي في العراق وادارته بالشكل الذي يحفظ المصالح الامريكية والغرب في العراق والمنطقة. من هذا المنطلق، ستفشل فرنسا في مهمتها، ولن تتمكّن من إدارة الازمة، وبالحد الأدنى لن تنجح في الوقوف في وجه أعداء أمريكا و"إسرائيل" من قوى وفصائل ودول. ومما يؤكد هذه الفرضية أكثر هو الموقف الإسرائيلي من الانسحاب الأمريكي من العراق وتداعياته على العراق والمنطقة، حيث قال رئيس الموساد السابق يوسي كوهين، إنه بعد سقوط أفغانستان بيد حركة "طالبان"، ينبغي على "إسرائيل" الخشية من الانسحاب الأمريكي من العراق، ومن ازدياد الحضور الإيراني هناك. وفي مقال له في صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، قال كوهين إن "الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، ينبغي أن يثير لدينا أفكارا ومخاوف حول الخطر الملموس الكامن في انسحاب أمريكي آخر محتمل، وهذه المرة من العراق". واعتبر كوهين أن "النتيجة المحزنة لانسحاب متسرع وغير مدروس، ومن دون استعداد كاف، قد تكون في ازدياد للوجود العسكري المتشدد والسياسي الإيراني داخل العراق، وإن المعركة الإيرانية المتواصلة في القسم الشمالي من الشرق الأوسط، إثر انسحاب أمريكي محتمل والمشاهد المرعبة من أفغانستان وسقوطها السريع جدا بأيدي حركة طالبان، يستوجب استعدادا لإمكانية أن تؤدي خطوة أمريكية مشابهة في العراق إلى انهيار أجزاء أساسية في الشرق الأوسط، الهش أصلا". وأضاف "إيران لم تتوقف للحظة عن بذل جهودها من أجل ترسيخ مكانتها العسكرية في منطقتنا. في لبنان، تعزز قوة وتسلح حزب الله. في سوريا، تحافظ على حضور نشط لحرس الثورة وتساعد في إدخال وسائل قتالية الى الدولة بموازاة التصنيع الذاتي. الوجود الإيراني في العراق ملموس ومقلق، وهو يستند على ركيزتين: الحشد الشعبي، وقوة القدس". ولفت كوهين إلى أن قرار الرئيس الأمريكي جو بايدن الانسحاب من أفغانستان جاء بموازاة خطوة لا تقل أهمية عن محاولات استئناف الاتصالات من قبل القوى العظمى مع إيران للتوصل إلى اتفاق نووي جديد. ورأى أنه "بين الانسحاب والتطلع بلا مساومة من جانب الولايات المتحدة إلى اتصال مع إيران حول اتفاق نووي، تقف "إسرائيل" أمام مفترق مصيري. كلا هذين الحدثين الدراماتيكيين يؤثران على اتصالاتها الدولية مع الجهات القوية في الشرق الأوسط، روسيا، أوروبا وبصورة رئيسية في الولايات المتحدة."

من هذا المنطلق يبدو أنه لا تعويل حقيقي ولا ثقة في الدخول الفرنسي من بوابة استمرارية الهيمنة والسيطرة الأمريكي بعد الانسحاب، نظرا لعدم قدرة فرنسا لا كفاعل دولي ولا كمتدخل دبلوماسي وعسكري، على مواجهة المخاطر والتحديات التي تهدد واقعيا المصالح الامريكية والإسرائيلية ومصالح الغرب في المنطقة.


الكاتب: غرفة التحرير