19:05 بتوقيت القدس المحتلة

الإثنين 20 أيلول , 2021

الكونغرس: مسرح التحريض على حزب الله

بعد بروزه كقوة إقليمية بارزة وحضوره الفاعل في ساحات عديدة من لبنان إلى سوريا ثم فلسطين ... يحضر حزب الله بقوة على طاولة الكونغرس الأميركي لكن هذه المرة من أجل دراسته "كنموذج في غاية الصعوبة" والتحضير لمحاولة تشويه صورته ومسيرته بعد الفشل الذريع الذي ألحقه بأدوات واشنطن في المنطقة. واللافت هو صرف مبالغ طائلة وفق خطة مدروسة لم تنجح إلى الآن.

المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق كشف في العدد الثاني من المشروع البحثي "تفكيك المزاعم الأميركية حول دور حزب الله في أميركا اللاتينية" عن اسماء المعاهد والشخصيات التي أوكلت إليها هذه المهمة إضافة لمصادر التمويل والهيكلية.

بين عامَي 2005 و2018، تركّزت مشاركات باحثين وممثّلين عن مراكز أبحاث وفكر أميركية في جلسات الاستماع التي عقدتها لجان متعدّدة في غرفتَي الكونغرس (النواب والشيوخ) للتحريض على دور مزعوم لحزب الله في الجريمة المنظّمة إلى جانب ما يُسمى «الإرهاب» انطلاقاً من دول أميركا اللاتينية. مشاركات هذه المراكز والأفراد كانت لافتة بحيث وجب إحصاء كل واحدة منها، والنظر إلى الدور الذي لعبته في تعزيز السردية حول الدور المزعوم للحزب في أميركا اللاتينية. وكان من الطبيعي عرض خلفيات كل مركز من هذه المراكز وكل فرد من الباحثين المشاركين في الجلسات.

تتعدد اختصاصات هذه المراكز البحثية السياسية والاقتصادية والأمنية والمتابعة لشؤون أميركا اللاتينية عامة، لكن جميع المراكز الواردة كان لها توجه واضح بالتحريض على حزب الله وإن بأحجام متفاوتة نسبياً.

-مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات:

تتصدّر هذه المراكز «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، التي شاركت عبر موظّفيها و«خبرائها» بنحو 20 جلسة (النسبة الأعلى). تأسّست المنظّمة في أعقاب هجمات 11 أيلول عام 2001 للدفاع عن وجهة نظر المحافظين الجدد بالمضي قُدماً بما تُسمّى «الحرب العالمية على الإرهاب» في الشرق الأوسط، والسياسات المؤيّدة لحزب الليكود في واشنطن. تتكتّم المؤسسة على مصادر تمويلها منذ فترة طويلة، لكن في آب/أغسطس عام 2013 أظهر تقرير صحافي أنّها حظيت بدعم كبار مموّلي الحزب الجمهوري الأميركي وهم مجموعة مانحين من ذوي الوزن الثقيل منهم مؤسّس مجموعة «هوم ديبوت» الملياردير اليهودي برنارد ماركوس، وبول سينجر ملياردير صندوق التحوّط وعضو مجلس إدارة «المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي»، وآل أدلسون الذين يسيطرون على قطاع كازينوهات القمار الأميركية ويموّلون جماعات الضغط اليمينية المؤيّدة لـ «إسرائيل».

بحسب الكشوفات السنوية التي تقدّمها «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» لخدمة الإيرادات الداخلية IRS التابعة لوزارة الخزانة الأميركية، تفاوت حجم التمويل الذي حصلت عليه المؤسسة بين عامَي 2005 و2017. وخلال عامَي 2007 و2008 شهد التمويل تطوّراً ملحوظاً، ليعود ويخبو بين عامَي 2009 و2013، وفي عام 2014 سجّل تمويل المؤسسة تصاعداً واضحاً، لكن يبقى التمويل الذي حصلت عليه عام 2017 الأعلى في تاريخها، مسجّلاً ما يزيد عن 13 مليون دولار. في المؤسسة ثلاثة مراكز حول «القوة الأميركية» تعكس فهم إدارتها لكيفية استغلال القوة الأميركية بكلّ جوانبها لفائدة «إسرائيل» ومصالحها. المراكز هي: «مركز القوة العسكرية والسياسية» و«مركز القوة الاقتصادية والمالية» و«مركز الابتكار التكنولوجي والسيبراني».

يعمل في «مركز القوة الاقتصادية والمالية» 23 باحثاً ومدير قسم، تتنوّع اختصاصاتهم والملفّات التي يركّزون عليها. المتخصّصون بملف إيران وحزب الله هم 14، ستّة منهم يركّزون على دور مزعوم لحزب الله في النشاط الإجرامي والجريمة المنظّمة في دول أميركا اللاتينية وأوروبا وغرب أفريقيا. الأبرز والأنشط بينهم يُدعَى إيمانويل أوتولينغي، المتخصّص بما يسمّيه «دور حزب الله ونفوذه في دول أميركا اللاتينية». ابتداءً من عام 2009، دشّنت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات برنامجاً بحثياً سمّته «برنامج إيران»، خصّصته للتحريض على البرنامج النووي الإيراني ودعم طهران لحركات المقاومة في منطقة الشرق الأوسط. وفي عام 2015 أطلقت المؤسسة برنامجاً بحثياً جديداً حمل اسم «العقوبات والتمويل غير المشروع»، خصّصته للتصويب على مساعي إيران لتفادي العقوبات المفروضة عليها، وللتحريض على حزب الله بشكل أساسي بزعم أنّه يدير شبكات لتمويل نشاطه عبر الجريمة المنظّمة العابرة للحدود.

يُلاحظ أنّ المؤسّسة صرفت أموالاً على برنامج «العقوبات والتمويل غير المشروع» بنِسَب أكثر مما صرفت على برنامج «برنامج إيران» عامَي 2015 و2016، وفي هاتين السنتين شارك باحثو المؤسسة في تسع جلسات استماع في الكونغرس عُقِدَت تحت عناوين «منع تمويل الإرهاب». ارتفعت مشاركات هؤلاء الباحثين بشكل مفاجئ بين عامَي 2015 و2018 وتزامنت مع توصّل إدارة أوباما إلى اتفاق مع إيران على ملفها النووي عام 2015، ولاحقاً عام 2017 مع دخول ترامب إلى البيت الأبيض، جرى تركيز الضخّ على ادّعاءات تستّر إدارة أوباما عن نشاط حزب الله المزعوم بالجريمة المنظّمة في أميركا اللاتينية. شارك إيمانويل أتولينغي في أغلب الجلسات باسم المؤسسة، كمؤشّر على أنّه كان يمثّل خيارها الأوّل للجلوس أمام أعضاء الكونغرس والتحريض على الدور المزعوم لحزب الله في أميركا اللاتينية أكثر من زملائه، كونه تخصَّصَ أكثر من غيره في هذا المجال.

يظهر مديرو أقسام مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات وباحثوها بشكل شبه يومي في قنوات التلفزة الإخبارية الأميركية، وخاصة تلك المحسوبة على اليمينيين، للحديث حول مواضيع عديدة، وأكثر هذه المواضيع تتعلّق بإيران وحزب الله، إلى جانب قضايا الإسلام السياسي والتنافس الأميركي الصيني. وبما أنّ أوتولينغي يُعتَبَر المتخصِّص الأول في المؤسسة بالتحريض حول دور مزعوم لحزب الله في أميركا اللاتينية، كان ظهوره الإعلامي مركّزاً كما عدد مشاركاته في جلسات الاستماع، فمثلاً أجرى أربع مقابلات مع قناة «العربية» السعودية بين 1 تشرين الثاني عام 2018 و2 كانون الثاني عام 2019، خُصِّصَت للحديث عن «تحريك حزب الله خلايا نائمة في الولايات المتحدة» و«تمويل غير مشروع للحزب انطلاقاً من دول أميركا اللاتينية». وقد نشر باحثو المؤسسة وموظفوها خلال العقد الأخير العشرات من المقالات، وعقدوا العديد من الندوات في قاعات بمبنى الكونغرس الأميركي، لترسيخ ادّعاءاتهم حول الحزب بما يتعلّق بالجريمة المنظّمة انطلاقاً من أميركا اللاتينية، وسعياً للتأثير على المساعدين البرلمانيين وأعضاء الكونغرس.

معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى

كان لـ «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى» المرتبة الثانية من حيث عدد المشاركات في جلسات الاستماع في الكونغرس السالفة الذكر. قامت «لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية» AIPAC بتأسيسه عام 1985، وقد ساهم في ذلك كلٌّ من مارتن إنديك والرئيس السابق لمنظمة «آيباك» ستيف روزن. يتكتّم معهد واشنطن على مصادر تمويله، لكنّ أبرزها مرتبط بشكل مباشر بمنظمة «آيباك»، فبعض البيانات تشير إلى أنّ المعهد يتلقّى تمويلاً سخيّاً من كثير من المؤسسات المملوكة لعائلات يهودية أو محافِظة (أغلبها مؤسسات خيرية) معروفة الارتباط بمنظّمة «آيباك» وكلّ الأذرع العاملة لمصلحتها.

في المعهد خمسة برامج بحثية متخصّصة بالشرق الأوسط والمنطقة العربية، وبرنامجان حول السياسات العسكرية وشؤون الأمن القومي والاستخبارات، بحسب كشف المعهد المالي لعام 2017 المصرَّح عنه لـ «خدمة الإيرادات الداخلية IRS» التابعة لوزارة الخزانة الأميركية، تقاضى المدير التنفيذي للمعهد روبرت ساتلوف نحو 494,000 دولار أميركي في تلك السنة، والباحث المتخصّص بإيران وحزب الله ماثيو ليفيت نحو 270,000 دولار. وبحسب الكشف المالي نفسه، أنفق المعهد نحو 10,912,504 دولارات على مشاريعه وبرامجه البحثية، وكان لكلٍّ من برنامجَي «إيران والسياسة الأميركية» و «الاستخبارات ومكافحة الإرهاب» نسبة 22,5% من مجموع الإنفاق السنوي.

وقد أسّس برنامج «الاستخبارات ومكافحة الإرهاب» ماثيو ليفيت عام 2007، بعد أعوام على تقاعده من العمل في مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI، ويترأسه بشكله الحالي منذ ذلك الحين. يُعتبَر البرنامج من أهم البرامج البحثية في المعهد، وضمن نشاط هذا البرنامج تندرج جهود التحريض على حركات المقاومة ومصادر تمويلها ولا سيما حزب الله. وفق بيانات خدمة الإيرادات الداخلية الأميركية، تفاوت حجم تمويل البرنامج بين عامَي 2006 و2017، فقد بلغ نحو 858,000 دولار عام 2007، وبلغ الذروة عام 2016 بنحو 1,392,000 دولار. بين عامَي 2013 و2018، شارك معهد واشنطن في 12 جلسة استماع، مثّله في 7 منها الباحث ماثيو ليفيت. إضافة إلى المشاركة في جلسات الاستماع للتحريض على دور مزعوم لحزب الله في أميركا اللاتينية، نظّم باحثو برنامج «الاستخبارات ومكافحة الإرهاب» التابع للمعهد منتديات وحلقات نقاش في قاعات بالكونغرس الأميركي للغرض نفسه.ثانياً: الأفراد المشاركون في الجلسات

من أصل أكثر من 17 باحثاً وعضواً في المراكز البحثية والفكرية مشاركةً في جلسات استماع لجان الكونغرس بغرفتَيه للتحريض على دور مزعوم لحزب الله في أميركا اللاتينية بين عامَي 2005 و2018، هناك أفراد يمكن تصنيف مشاركتهم بـ «النوعية» من حيث الخطاب والمادة المكتوبة التي قدّموها لأعضاء اللجان في الكونغرس، سنكتفي بذكر ثلاثة منهم فقط اختصاراً.

- معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى

-معهد المشروع الأميركي

-مجلس السياسة الخارجية الأميركية

-المركز الدولي للتقييم والاستراتيجيا

-مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية

-مركز الأمن الأميركي الجديد

-مجموعة الطيف الدولية

-معهد برزكينغز

-الحوار البيئي الأميركي

-مجلس الأميركيتين

-مؤسسة راند

-معهد هادسون

-مؤسسة التراث

تمنح شهادات الخبراء المنتمين إلى مراكز الدراسات الأميركية في الكونغرس الأميركي نوعاً من المشروعية العلمية والمصداقية للإجراءات السياسية التي يقرّرها الكونغرس أو الإدارة الأميركية. وهنا تظهر الصلة بين عدد الجلسات المرتبطة بموضوع محدَّد والأجندة السياسية للأطراف الداعمة للجهات التي تتولّى تقديم الشهادات. ويبرز هنا عام 2015 في ارتفاع التمويل، ولا سيما من جهات مرتبطة باللوبي الإسرائيلي، لعدد من الجهات الأكثر حضوراً في جلسات الاستماع والتي ركّزت على التحريض على حزب الله وإيران. ويمكن تفسير هذا الأمر بكونه جزءاً من الحملة الإسرائيلية المضادّة لإحباط مفاعيل الاتفاق النووي بين إيران والمجموعة الدولية. تعتمد هذه الجهات المحرّضة على تأثير المال والبروباغندا لرفد جهود محاصرة حزب الله خارج حدود الولايات المتحدة، وعلى أساليب لتخويف الداخل الأميركي من القدرات المزعومة للحزب على ضرب «الأمن القومي» الأميركي واللعب في حديقة واشنطن الخلفية في القارة الأميركية.

للاطلاع على الدراسة الكاملة


المصدر: المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق

الكاتب: علي مراد