الثلاثاء 19 تشرين أول , 2021

"إعقلوا وتأدبوا" مائة ألف مقاتل غيّروا قواعد الاشتباك

حزب الله

لطالما كان العدو الحقيقي لكل المجتمعات هو ذاك العدو الذي يحتل أرضها وينتهك حقوقها، ولطالما كان الدفاع عن النفس حق مشروع، ودلّت عليه المادة 54 من ميثاق الأمم المتحدة باعتبار أن الاحتلال هو ذاك العدو وللشعوب الحق في تقرير مصيرها والدفاع المشروع عن وجودها..

ولأنّ هذا العدو متمثل بكيان غاصب احتل الأرض طيلة عقود كان لا بدّ من مواجهته وإعلان المقاومة لوجوده غير الشرعي والإلغائي.. وانطلقت المقاومة بفصائلها ومكوناتها المتعددة على كامل الأراضي اللبنانية وكذا الفلسطينية، لتتوحد قوتها الرئيسية بقيادة "حزب الله" مجتازاً مسار التحرير إلى مسار الردع، حيث رسخ قواعد اشتباك جديدة، ورسخ مفهوم المقاومة في نفوس كانت تشكك بقدرتها، إنما اليوم انتهى ذاك الخوف. فاليد العليا باتت القول الفصل في هذه المعادلة الجديدة.. والرّد على قدر الفعل.. وبالتالي انكسر أكبر خط أحمر كان قد وضعه العدو منذ عشرات السنين كما كُسر في عام 2000 وفي حرب تموز 2006 وامتدت الانتصارات للمقاومة وحلفائها وداعميها وراعيها لتتوج بمعركة سيف القدس 2021 التي هزت داخل الكيان المحتل ونالت من عجرفته، فكانت مسمار نعش في نهايته.

أوهن من بيت العنكبوت

والتاريخ يشهد الكثير من محطات المقاومة التي انكسرت فيها هيبة العدو الصهيوني.. كما أن تضحيات أبطال المقاومة بكل فروعها ومكوّناتها سواء أكانت في فلسطين أو لبنان أو سورية أو العراق كانت ولا تزال رادعاً وجداراً منيعاً أمام غطرسة العدو. فباتت قلعة المقاومة المصونة بدماء شهدائها وتضحياتهم منيعة بينما بات بيت العدو أوهن من بيوت العنكبوت.. وإذا ما أردنا تحديد بداية المرحلة الجديدة من قواعد الاشتباك فظهرت بتأكيد أمين عام حزب الله، السيّد حسن نصر الله، في خطابه عام 2019، متوجهاً لـ"الإسرائيليين": "احفظوا تاريخ 1 أيلول 2019 لأنه بداية مرحلة جديدة من الوضع عند الحدود لحماية لبنان وليس هناك خطوط حمراء".

هذه المرحلة تجاوزت فيها المقاومة ما اصطنعوه من حدود سواء في الشام أو لبنان أو العراق وفلسطين وزرعت الرعب في نفوس أعدائها.. لتصبح مقاومة نفسية ومعنوية وفكرية وإعلامية ليس فقط مقاومة بالسلاح. ولم تحدّد مرحلة جديدة في قواعد الاشتباك فقط بل قلبت المعادلة أو بالأحرى، أعادت المعادلة لشكلها ومضمونها الطبيعي في توازن الردع.. والهدف الحقيقي واضح وجلي بتثبيت معادلة الردع فقد انتهى زمن السماح وغض الطرف ولّى إلى غير رجعة. والزمان الآن هو زمان المقاومة ومكانها..

ورغم كل إجراءات كيان الاحتلال وأهدافه الوهمية، لكن فعل المقاومة ضربه في العمق و"سيف القدس" خير دليل و"نفق الحرية" أكبر دليل على أن الحرية قاب شوكة أو مسمار، لتتكرّس المقاومة وفق مفهوم ترجمه السيد نصر الله بتهديده "الإسرائيليين" بالقول: "إذا اعتديتم فإنّ كل جنودكم ومستعمراتكم في عمق العمق ستكون ضمن أهداف ردّنا"، وقد انتقل الرّد وبات في وضح النهار وفي العمق، وهذه هي ثقافة المقاومة التي لا تكلّ ولا تهدأ حتى إعادة كل الأرض.

واليوم يحاول هذا الاحتلال محاولاته الفاشلة في مهدها بزعزعة استقرار لبنان وضرب المقاومة من الداخل باعتماده على حزب "القوات اللبنانية" محملاً "الراية" لـ"حكيم الإجرام" عسى أن تجدي محاولاته الأخيرة إنما كغيرها من المحاولات باءت بالفشل وباتت عنوان للحمة الوطنية فانقلب السحر على الساحر ووجد "يلي ما بيتسمى" وجد نفسه مداناً من كل الجهات اللبنانية على فعلته الشنيعة بحق الوطن والمواطن ولم تنجح مخططاته في إعادة إطلاق شرارة الحرب الأهلية لو أقله ضدّ الطائفة الشيعية فبات كما كان مجرماً في عين القانون وعين المجتمع..

لا تخطئوا الحساب وتأدبوا

وفي خطاب السيد حسن نصر الله بالأمس وعيٌ وإدراكٌ وبصيرة كما العادة إنما بكلمات شديدة اللهجة كان القول "نحن حساباتنا صحيحة ولدينا ثوابت وأخلاق وقيم"، مضيفاً "لا تخطئوا الحساب واقعدوا عاقلين وتأدبوا وخذوا العبر من حروبكم وحروبنا"، ليتابع "خذ علماً بأن الهيكل العسكري لحزب الله وحده يضم 100 ألف مقاتل"، مستدركاً أن "هؤلاء المقاتلين لم نجهزهم لحرب أهلية بل لندافع عن بلدنا في وجه الأعداء"، أي أن عدونا هو "إسرائيل" راسماً البوصلة الرئيسية مضيفاً بذلك قاعدة جديدة في الاشتباك إلى قاعدة "وإن اعتديتم!" راسماً خطاً أحمر تتحكم به المقاومة ومحورها المقدس، كما أن هذا الخطاب ليس فقط إلى "جعجع" بل أيضاً إلى مشغليه ومبرمجيه لتنفيذ مثل هذه السيناريوات من أمثال أولئك الأميركيين و"الإسرائيليين" الذي ينفذ أجندتهم بعدما فشلت مساعيهم في ضرب المقاومة ليبدأ عهد جديد وخطوط جديدة بعيداً عن تلك الخطوط التي رسمتها الأمم المتحدة ظلماً وعدواناً تحت شرعة أميركية صهيونية، في حين أنّ العدو الذي لا ينفك يعتدي ويخترق سماء لبنان وينفذ غاراته في الشام وغزة سيحسب الآن ألف حساب لأي تصرّف بعدما انكسرت هيبته، أمام المقاومة التي وعدت بردّ الصاع صاعين، وأكثر، في قلب العمق الصهيوني.

كما انتهت أيام التشكي والتنديد والاستنكار بعدما ثبت بالدليل الحسّي أن كل الهيئات والمؤسسات الدولية التي توجّه إليها رسائل الشكوى والاستنكار هي ألعوبة بيد واشنطن وتل أبيب. وباتت القاعدة إن اعتديتم فسنردّ بحسب الاعتداء الطائرة بالطائرة والصاروخ بالصاروخ والبادئ أظلم.. الأهداف توحدت وباتت هدفاً واحداً هو قتال «إسرائيل».. سماؤنا لنا حرام على غيرنا، كما ترابنا المقدس المروي بدماء شهدائنا. فلم تعد السماء مفتوحة لطيران العدو، ولم تعد الأرض التي رويت بالدماء، مجالاً للانتهاك..

وكما عادت الأرض لأهلها الجديرين بحمايتها بسلاحهم ومعه دمائهم، ستعود كل الأرض فقد أسقطت أسطورة الجيش الذي لا يُهزم وإلى الأبد، أسقطتها دماء الشهداء. وترسخت باليقين مقولة وفعل المقاومة التي لا تقهر، بصمود الشعب المقاوم الذي بات صلباً عتياً عن الانكسار كما حجارة أرضهم وقلاعها الشاهدة على أن من يتم إخراجه من أرضه بالقوة لن يستطيع العودة إلا بالقوة.. هذه القوة الآتية من الإيمان بالحق وبالأرض لطالما كانت الأرض هي الهوية. وهذا هو الفرق نحن أصحاب هوية وأصحاب حق في حين سيبقى الصهاينة بلا هوية، فهم مغتصبون للحق بلا أرض وأرضنا تبقى لنا مهما طال الزمن سنعود وندخلها آمنين..

وكما اجتاز السيد حسن نصرالله الذي توجته الانتصارات والتضحيات رمزاً لها، المرحلة الأولى من صعود المقاومة بصفتها قوة التحرير والردع في مواجهة خطر كيان الاحتلال، فإنه اجتاز المرحلة الثانية مع سفن كسر الحصار التي جلبت عبرها المقاومة المازوت الإيراني عبر سورية، وخلقت تداعيات أظهرت الأميركي في موقع المتسبب بالأزمة عبر حصاره للبنان، ومسارعته لمنافسة المقاومة بتظهير الحرص على المساعدة بفك بعض حصاره عبر استثناء بعض العقوبات على استجرار الغاز المصري والكهرباء الأردنية عبر سورية، وصولاً لتسريع تشكيل الحكومة بطلب أميركي مباشر، ولم يبق إلا الرهان على إشغال المقاومة بالفتنة الداخلية طريقاً لتحقيق الهدف إنما سقط هذا المشروع كغيره على أبواب المقاومة.


الكاتب: سماهر الخطيب