الجمعة 13 أيار , 2022

مذكرات موشيه شاريت: لتفكيك لبنان وإنشاء دولة مسيحية موالية لنا

بشير الجميل وأرييل شارون

منذ إعلان الكيان المؤقت لدولته في فلسطين، بدأ بالتخطيط لإقامة كيان مسيحي هجين في لبنان. فعقدت الاجتماعات ونوقشت الخطط وتم تبادل الرسائل ما بين قادة الاحتلال. ولعل أبرز هذه المخططات ما ورد الحديث عنه في مذكرات القادة الاسرائيليين، وخاصة رئيس حكومة الاحتلال موشيه شاريت عشية سقوط الزعيم السوري أديب الشيشكلي في سوريا، حيث عقد اجتماع بتاريخ 27 شباط/فبراير1954 حضره دايفيد بن غوريون ورئيس مجلس الوزراء موشيه شاريت، ووزير الدفاع بنحاس لافون، وموشيه دايان رئيس فرع العمليات في الجيش، وجرى الحديث عن مخططات الكيان المؤقت للهجوم على مصر وسوريا. وفي نفس الاجتماع عرض اقتراح عملي يقضي بافتعال اضطرابات وإحداث حالة من الفوضى في لبنان البلد المجاور والأكثر استقراراً وأمناً في ذلك الوقت. وكتب موشيه شاريت في مذكراته:" لم تجرؤ إسرائيل على ادعاء أية مبررات أمنية لتغطية رغبتها في تأكيد سيطرتها على الوضع في المنطقة المجاورة. ثم تقدم بن غوريون خطوة اخرى حين أعلن أن الوقت يعتبر مناسباً لدفع لبنان – أي الموارنة – الى المطالبة بإقامة دولة مسيحية! أجبته أن هذا الكلام هراء، فالموارنة منقسمون، وهم دعاة التقسيم واقامة الكيان المسيحي بينهم قلة ضئيلة غير فاعلة إذ أن لبنان المسيحي يعني التخلي عن صور وطرابلس، والبقاع، وليس هناك قوة تستطيع إعادة لبنان إلى ما كان عليه قبل الحرب العالمية الأولى، لأنه سيفقد عندئذ مبرر وجوده الاقتصادي. أشتد غضب بن غوريون عند سماعه رأيي، وبدأ يعدد المبررات التاريخية المشجعة على اقامة كيان لبناني مسيحي محدود. وفي حال حدوث تطور كهذا في الوضع اللبناني لن تجرؤ القوى المسيحية على معارضته".

يضيف شاريت: "كان رأيي أن العوامل غير كافية لخلق مثل هذا الواقع، وإذا ما قمنا بتحريك الوضع وحدنا دون مساندة الأطراف الداخلية فسوف نجد أنفسنا في مأزق حرج. في تلك اللحظة إنهال علي سيل من الإهانات والتجريح لافتقاري إلى الجرأة وسعة الافق. كان الأخرون يلحون على ضرورة الإسراع في إرسال العملاء وإنفاق الأموال لتحريك الأمور هناك. قلت إننا لا نملك الأموال اللازمة، فكان ردهم الاستعانة الكاملة بما قلت، وأضافوا أنه يجب توفير الأمور بأية طريقة كانت، إن لم يكن من خزانة الدولة، فلتؤخذ من الوكالة اليهودية، فمن أجل مشروع كهذا لا بأس بإنفاق مئة ألف، أو حتى مليون دولار...إذ أن المشروع الذي رسمناه سوف يؤدي حين نجاحه إلى إحداث تغيير أساسي وحاسم في الشرق الاوسط وستبدأ مرحلة جديدة...".

بعد هذا الاجتماع رد بن غوريون على موشيه شاريت قائلاً "...من الواضح أن لبنان هو الحلقة الاضعف في الجامعة العربية. ومعظم الأقليات في الدول العربية الأخرى هي أقليات اسلامية، باستثناء الاقباط. لكن مصر أكثر الدول العربية تماسكاً واستقراراً، خاصة وأن الاغلبية هناك تتشكل من مجموعة دينية واحدة، ذات تراث واحد، فيما لا تؤثر الاقلية القبطية بشكل جدي في الوحدة السياسية والوطنية للدولة. على عكس الوضع في لبنان. إذ يشكل المسيحيون الأغلبية عبر التاريخ اللبناني، وهذه الأغلبية لها تراثها وثقافتها المختلفة عن تراث وثقافة الدول العربية الأخرى الأعضاء في الجامعة العربية. (لقد كانت غلطة لا تغتفر من فرنسا أنها وسعت حدود لبنان الى ما هو اليوم!) اذ ضمن الحدود الحالية للبنان لا يستطيع المسلمون أن يفعلوا ما يريدون، حتى ولو كانوا الاكثرية هناك، وذلك خوفاً من المسيحيين، (لست أدري ما إذا كانوا يشكلون الأكثرية بالفعل؟) وهكذا تبدو مسألة خلق دولة مسيحية أمراً طبيعياً، له جذوره التاريخية، وستلقى مثل تلك الدولة دعماً واسعاً في العالم المسيحي، الكاثوليكي والبروتستانتي. كان مثل هذا الأمر شبه مستحيل في الظروف العادية، وذلك بسبب كون المسيحيين يفتقرون الى الشجاعة والحافز من أجل تنفيذ أمر كهذا. أما في حال انتشار الفوضى والاضطرابات وظهور أعراض الثورة أو الحرب الأهلية، فإن الأمر يصبح مختلفاً إذ يتصرف الضعيف كبطل في مثل هذه الاوقات. وبما أننا لا نستطيع الجزم بالنسبة للأمور السياسية، نقول ربما كان الوقت الحالي هو الظرف المناسب لخلق دولة مسيحية مجاورة لنا. ومن دون مبادرتنا ودعمنا القوي لا يمكن اخراج تلك الدولة الى حيز الوجود يبدو لي هذا هو واجبنا الأساسي، أو على الأقل أحد الهموم الرئيسية لسياستنا الخارجية. وهذا يعني أن علينا أن نحسن استثمار الجهد البشري، وعامل الوقت، والعمل بكل الطرق الممكنة لإحداث تغيير أساسي في لبنان، يجب علينا تجنيد "ساسون" وكل من يتكلم العربية بيننا، ولن نتقاعس عن توفير الامور اللازمة لإنجاح هذه السياسة. ولا بأس لو اضطررنا احيانا الى إنفاق الكثير دون التوصل الى نتائج سريعة.

فلنركز جهدنا جميعاً على هذه القضية، فقد لاحت في الأفق فرصتنا التاريخية، ولن يغفر لنا التاريخ اضاعتها سدى. لنكن على ثقة بأن موقفنا هذا لا يتضمن أي تحدٍ للقوى الكبرى. اذن علينا أن نشرع في العمل فوراً وقبل فوات الأوان.

وفي سبيل الوصول إلى ما نبتغيه، علينا فرض قيود على الحدود اللبنانية وتنظيمها، ويستحسن اختيار بعض اللبنانيين في الداخل والخارج وتجنيدهم من أجل خلق الدولة المارونية. لست على معرفة بأناس يمكننا التنسيق معهم في لبنان، لكن هناك طرقاً عديدة يمكننا بواسطتها تحقيق المشروع المقترح".

التوقيع: دافيد بن غوريون.

يلاحظ ان الكيان المؤقت قد وضع الخطط والمشاريع من أجل تفكيك لبنان، وبدأ فعليا بذلك في العام 1954، وكانت الاجتماعات متتابعة والمراسلات تبحث في حشد الجهد البشري والسعي لمعرفة مآلات الخطط التي كانت.

 في الجزء الثالث سنرى ما ذكره موشيه شاريت عن عرض لبناني لعقد اتفاقية صلح منفرد عام 1955 مع الكيان المؤقت.


الكاتب: غرفة التحرير