الثلاثاء 16 آب , 2022

جذور التغلغل الصهيوني في السياسة الخارجية الأميركية

العلمان الاميركي والاسرائيلي

ولدت الحركة الصهيونية في أوروبا، وفيها خطت خطواتها الأولى، ولكن بالرغم من ذلك فإن مركز الثقل فيها انتقل في نهاية الحرب العالمية الثانية إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث لعبت الحركة الصهيونية دوراً خطيراً وبالغ الأهمية في توجيه وتحريك السياسة الخارجية الأميركية، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط. وكان من بعض تمظهراته ما منحته الولايات المتحدة الأميركية للكيان المؤقت، وأمدّته به من دعم اقتصادي وعسكري وسياسي منذ نشأة هذا الكيان حتى اليوم.

لقد شهدت الولايات المتحدة أربع هجرات يهودية، على فترات امتدت منذ القرن السابع عشر حتى القرن العشرين. وتعتبر الأقلية اليهودية من أضخم التجمعات اليهودية في العالم. ويمكن القول بأن الهجرة اليهودية ارتبطت تاريخياً باكتشاف القارة الأميركية بالذات فقد أخذ اليهود منذ ذلك الحين، يتطلعون أكثر فأكثر إلى القارة الأميركية كحقل مثمر، وشرعوا يتوجهون في أعداد ضخمة إلى أميركا الجنوبية ولا سيما إلى البرازيل. كما شاركوا عسكرياً في النزاع بين البرازيليين والهولنديين، مما أضطرهم إلى الهجرة من جديد، فأخذوا يتجهون إلى المستعمرة الهولندية والتي أصبحت فيما بعد ولاية "نيويورك"، وتعتبر أمبر مركز للأقلية اليهودية في الولايات المتحدة.

لقد بدأت هجرة اليهود الشرقيون (السفارديم)، خاصة اليهود الذين هم من أصل إسباني أو برتغالي، إلى القارة الأميركية منذ اكتشافها حتى عام 1815، ومنذ هذا العام حتى عام 1884 بدأت الولايات المتحدة تشهد موجة ثانية من هجرة اليهود الألمان، ومع العام 1880 حتى عام 1930 حصلت الهجرة اليهودية الثالثة، لكن هذه المرة كانت هجرة لليهود الغربيين (الاشكيناز) القادمين من أوروبا الشرقية وخاصة من بولونيا ورورسيا القيصرية.

يغلُب "الاشكيناز" على يهود الولايات المتحدة، إذ يشكل 85 في المائة من يهود هذا البلد.

أما الهجرة الرابعة فقد إبتدأت من الفترة الممتدة ما بين الحربين العالميتين حتى العهد الحاضر. وكانت بمعظمها من اليهود الألمان الذين هاجروا إبان الحكم النازي بقيادة أدولف هتلر.

المهم لنا هو مدى تأثير هذه الأقلية اليهودية والتي تسيطر على غالبية الحركة الصهيونية العالمية، وتأثيرها في الحياة السياسية والاقتصادية الأميركية، والدور الذي تلعبه في توجيه السياسة الخارجية، وبخاصة فيما يتعلق بشؤون وشجون الشرق الاوسط.

يمكن اعتبار مؤتمر بلتيمور في سنة 1943 بداية الإنطلاقة العلنية للسيطرة على الرأي العام الأميركي من قبل الصهيونية العالمية، هذه الإنطلاقة سبقتها مساعٍ دؤوبة في هذا المضمار.

خلال الحرب العالمية الثانية اعتبرت الصهيونية العالمية أن تعاطف الشعب الأميركي مع قضيتها يجب أن يأتي في طليعة اهتماماتها، بالنظر للدور الكبير الذي ينتظر أن تمثله الولايات المتحدة الأميركية في السياسة الدولية، ولتحقيق هذا الهدف، تم الدعوة إلى مؤتمر بليتمور بمدينة نيويورك تحت إشراف مجلس الطوارئ التابع للمنظمة الصهيونية في أميركا. واتخذ هذا المؤتمر مقررات أهمها:

  1. العمل على فتح أبواب فلسطين أمام اللاجئين اليهود.
  2. أن تعطي الوكالة اليهودية سلطة الإشراف على الهجرة لفلسطين والسلطة اللازمة لبناء البلاد، وكذلك تنمية أراضيها غير المأهولة وغير المزروعة.
  3. أن تثبت فلسطين ككومنولث يهودية ضمن إطار العالم الديمقراطي الجديد.

كما تقرر تشكيل قوة ضاربة تنضم الى جيوش الحلفاء لتحارب تحت الراية اليهودية.

كما وضع المؤتمر مخططات سرية لتكوين مجموعة قوية مرتفعة الصوت، تستطيع استخدام الأجهزة السياسية الأميركية، لإدخال مبادئ بلتيمور إلى سياسة أميركا الخارجية، وتحويل هذه السياسة إلى خدمة الأهداف الصهيونية.

لقد استغل زعماء الصهيونية لتحقيق هذه المهمة جميع الأساليب والوسائل الممكنة، وركزوا خاصة على استغلال ما تعرض له اليهود تاريخياً، وربطوا ذلك بالدولة اليهودية التي يعملون على إنشائها كحل وحيد لمشكلتهم "وتعويض تقدمه الانسانية لأولئك اليهود المشردين عن الظلم الذي لحقهم في مختلف البلدان على تعاقب العصور"، كما يزعمون.

لقد استغلوا المآسي للحصول على المكاسب، كذبوا ويستمرون بالكذب لتحصيل العطف والتعاطف. ومن خلال الدعاية اليهودية حول ما أصاب اليهود في ألمانيا، شعر العالم بالذنب، ولا سيما الأميركيين المتحدرين من أصل ألماني، أو الهاربين من ألمانيا أو الدول التي سيطرت عليها.

وتألفت "لجنة فلسطين الأميركية" برئاسة عضو مجلس الشيوخ الألماني الأصل والبروتستانتي روبرت واغنر، الذي قام بحملات دعائية لفكرة الدولة اليهودية بين زملائه اعضاء مجلس الشيوخ واصدقائه من كبار السياسيين.

وقبل نهاية الحرب العالمية الثانية ازداد أعضاء "لجنة فلسطين الأميركية" حتى بلغ 6500 عضواً كلهم من الشخصيات السياسية البارزة، وفيهم اعضاء من مجلس الشيوخ والنواب (الكونغرس) ووزراء وحكام ولايات وقضاة ورؤساء بلديات.

وفي 27 كانون الثاني 1944 اتخذ الكونغرس قراراً يتماهى مع مقررات مؤتمر بلتيمور.

كان مؤتمر بليتمور وقرار الكونغرس، ونشاط "لجنة فلسطين الأميركية" برئاسة روبرت واغنر، الأساس والإنطلاقة للمنظمة الصهيونية داخل النظام السياسي الأميركية، ومقررات بلتيمور أصبحت تتحكم بتوجهات السياسة الخارجية الأميركية تجاه الشرق الاوسط.


الكاتب: غرفة التحرير