الأحد 13 تشرين ثاني , 2022

صراع اللوبيات: لماذا يعارض بايدن زيادة انتاج النفط؟

الحملة الانتخابية للرئيس جو بايدن

لم تنجلِ غيوم الأزمة الاقتصادية عن الولايات المتحدة بعد. التضخم الذي وصل لأعلى مستوياته منذ 40 عاماً مستمر بالارتفاع. الشباب الجامعي في واشنطن بات يفضل السكن في السيارات بدلاً من تحمل الأعباء المالية المتزايدة الناتجة عن عدم استقرار سوق العقارات. أسعار النفط التي لا تزال تتأرجح بفعل القرارات الأخيرة لمنظمة أوبك +، تزيد الأمر سوءاً في الامبراطورية "المدمنة للنفط" كما وصفها الرئيس الأسبق، جورج دبليو بوش. وسؤال واحد مريب، يتصدر المشهد لأكثر من 9 أشهر: لماذا لم يقدم الرئيس جو بايدن على اطلاق يد الشركات النفطية لمعالجة الخلل الناتج في الاسواق العالمية، رغم امتلاك الولايات الاميركية لأكبر مخزون نفطي في العالم؟ فتشوا عن لوبي الشركات الصناعية وممولي الحملات الانتخابية.

رغم سيل الازمات المتتالية التي تتعرض له إدارته منذ وصوله إلى البيت الأبيض، يصر بايدن على اتباع "نهج الديموقراطيين القديم" بالتوجه نحو الطاقة البديلة عن النفط. ولم يشعر بحرارة القِدر الذي يقبع فيه، إلا قبيل الانتخابات النصفية بأيام قليلة، مع وصول سعر برميل النفط إلى 94 دولاراً. ومضطراً، اتخذ بايدن قرار سحب 15 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي، ودعا الشركات الأميركية إلى زيادة الإنتاج. لم يكن ذلك القرار مفاجئاً. بل ما كان مدعاة تساؤل لدى كثيرين هو السبب الذي دفع بايدن إلى تأجيل هذه الخطوة رغم خطورتها وتأثيرها المباشر على مستقبل إدارته. وأن يمد "قبضته المغلقة" لمصافحة ولي العهد السعودي، في زيارة لاقت هجمة واسعة من قطبي السياسية في الولايات الخمسين.

يعترف الذين شاركوا في الادارات الأميركية المتعاقبة كمستشارين او وزراء، بقدرة ممولي الحملات الانتخابية على التأثير على كيفية صياغة المشروع الانتخابي للرئيس ولادارته الجديدة في حال فوزه. وينطبق ذلك على كلا الحزبين. واذا كان التأثير الأكبر على الجمهوريين يأتي من اللوبي النفطي، فإن تمسك الديموقراطيين بالصناعة الخضراء والطاقة النظيفة، ليس بعيداً عن حجم التمويل والتأثير للوبي الشركات الصناعية. ولفهم هذا الواقع، يمكننا أخذ الحملة الانتخابية لبايدن، كعينة، وبالتالي القاء الضوء على دوافع قراراته الاخيرة المتعلقة بتحييد زيادة انتاج النفط.

ظهر تأثير كبار المانحين والجهات الفاعلة في مجال المناخ والطاقة النظيفة كقوة سياسية ذات نفوذ في إدارة بايدن. ويعود ذلك لحجم الأموال التي أغدقها هؤلاء على الحملة الانتخابية التي انتهت بوصول الأخير إلى البيت الأبيض.

في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2020، في خضم الحملة الانتخابية التي كانت تشهد نزالاً محتمداً بين المرشحين، جو بايدن ودونالد ترامب، كشف، العضو المؤسس في Three Cairns Group، (وهي شركة استثمارية تركز على إزالة الكربون)، ليز ستريكلر، إنه مقارنة بدورة عام 2016، فإن جمع الأموال المدفوعة بالدولار للانتخابات الرئاسية لعام 2020 "كان مثل الليل والنهار...أود أن أقول إنه رقم ضخم ومضاعف من الدولارات".

كان ستريكلر جزءاً من مجموعة تُدعى قادة المناخ إلى جانب بايدن (CLFB)، وهي واحدة من أربعة أجهزة رئيسية لجمع التبرعات تركز على المناخ لانجاح بايدن في تلك الدورة. وفي تقرير نشر في  تموز/ يوليو من العام نفسه، وصفت E&E News CLFB بأنها "مجموعة مخصصة من المتبرعين الأثرياء"، والتي جلبت في ذلك الوقت "أكثر من 12 مليون دولار لحملة بايدن". إضافة لذلك، فقد جمعت CLFB أكثر من 17 مليون دولار. وقالت انه قد تم جمعها على مدار خمسة لقاءات افتراضية لجمع التبرعات. كانت إحدى فعاليات جمع التبرعات بالشراكة مع Clean Energy for Biden (CEFB)، وهي ثاني أكبر جهاز لجمع الأموال موجه نحو المناخ.

على عكس CLFB، التي تتكون من المانحين المهتمين عمومًا بتغير المناخ، يتكون CEFB من "متخصصين في صناعة الطاقة المتجددة، ودعاة ومجتمع أوسع للطاقة النظيفة"، كما قال ناثان ويث، الرئيس المشارك لـ CEFB والمدير السابق في الطاقة الشمسية شركة Sunrun للطاقة: "إنه منظور صناعي على وجه التحديد". ويقول وايث إن CEFB جلبت 3.2 مليون دولار إضافية لبايدن على مدار أكثر من 100 حدث افتراضي في هذه الانتخابات.

كانت الذراع الثالثة لجمع التبرعات التي تركز على "المناخ لبايدن" عبارة عن مجموعة فضفاضة من المديرين التنفيذيين من بعض أكبر شركات الطاقة المتجددة في الولايات المتحدة، وفي حين لم يكشف الرئيس التنفيذي لمجموعة Intersect Power، لشيلدون كيمبر، عن حجم المبلغ الذي قدمه، إلا انه أشار إلى انه "لم يقدم مثيلاً له". وأضاف "لأول مرة في تجربتي.. رأيت قادة كباراً من الشركات الكبرى في الصناعة يجتمعون معاً، مستخدمين شبكاتهم، ويعملون بصراحة وانسجام ...لا أعتقد أن عنصر جمع التبرعات للطاقة المتجددة لم يكن منظمًا أبدًا كما كان خلال الدورات الانتخابية السابقة".

آخر جهاز كبير لجمع التبرعات للمناخ بالدولار جاء من LCV Victory Fund ، وهو عبارة عن مجموعة PAC. أدار صندوق LCV Victory أيضًا برنامج تبرعات يركز على المناخ يسمى GiveGreen جنبًا إلى جنب مع الذراع السياسية لمجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية و Tom Steyer’s NextGen America.

مع ما مجموعه 56 مليون دولار تم جمعها وإنفاق 47 مليون دولار، كان صندوق LCV Victory هو عاشر أكبر PAC في هذه الدورة الانتخابية من حيث النفقات، وتاسع أكبر صندوق من حيث جمع التبرعات. لقد رفعت ما يقرب من ضعف ما جمعته في منتصف المدة لعام 2018، وتقريبًا ثلاثة أضعاف ما جمعته في عام 2016.

ومن بين المساهمين الكبار الآخرين الملياردير العقاري إيلي برود، وول مارت الملياردير صمويل والتون، وروبرت جرانثام، المستثمر الذي تعهد بتخصيص 98% من أعماله لمحاربة أزمة المناخ.

يمكن فهم استماتة هؤلاء بالدفاع عن مشروع الطاقة النظيفة، بشرح وجهة نظرهم للمرحلة المقبلة وما يسمونها بـ "عالم ما بعد النفط". اذ ينظرغالبيتهم إلى تلك المرحلة على انها "المستقبل الواعد" لشركاتهم العملاقة. ولذلك، يمكن فهم الدعم الجزئي من بعض الجمهوريين لهذا النهج. وهنا نذكر ان ثالث أكبر متلقٍ للدعم المالي، عام 2020، كان السناتور جوني إرنست (جمهوري من ولاية آيوا)، الذي على الرغم من إنكاره أن البشر يتسببون في تغير المناخ، فقد ضغط بقوة لتعزيز معيار الوقود المتجدد، الذي يتطلب خلط كمية معينة من الإيثانول في الوقود: يُصنع الإيثانول من الذرة، وهو محصول رئيسي في ولاية أيوا.

هل تستطيع واشنطن القيام بهذه الخطوة فعلاً؟

يقول منظرون جمهوريون كانوا في الدائرة المقربة لترامب، ان بايدن يتجاهل، حقيقة واضحة، و "ستكون الكارثة ان كان يتجاهلها عمداً... ان انتاج الطاقة المتجددة يعتمد على الصين". تستحوذ بكين على 80%  من الإمدادات العالمية من الألواح الشمسية، و 58% من توربينات الرياح، و 60 % من العناصر الأرضية النادرة اللازمة للطاقة الشمسية وأشباه الموصلات في كل مكان لدعم الاقتصاد الحديث، وما يقرب من 80% من بطاريات الليثيوم أيون اللازمة للسيارات الكهربائية وتخزين الطاقة في شبكة كهربائية قائمة على مصادر الطاقة المتجددة. تعد الصين أيضًا أكبر مصدر لانبعاث ثاني أكسيد الكربون والميثان في العالم وتواصل بناء سعة وقود أحفوري جديدة. وبالتالي، اذا اراد بايدن السير حقاً بهذا الاتجاه، فعليه ايضاً تخفيف طموحاته بمواجهة الصين، وترتيب اولوياته من جديد.

لم يكن الصراع على اطلاق يد الشركات النفطية مستجداً. انما بات يأخذ منحى أكثر تطرفاً بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها الساحة الدولية والتي ساهمت بدورها، بتعزيز الانقسامات السياسية داخل الولايات المتحدة بشكل أكثر حدة من أي وقت مضى. وعلى ما يبدو ان هذا النقاش لن ينتهي بالفعل، مع تغير قاطن البيت الابيض. خاصة ان محركات الصراع، تسكن الغرف المظلمة المليئة برائحة الصفقات التجارية التي تتطلع إلى مزيد من الدولارات، وتنظّر لاستغلال الفرص لجني مزيد من النفوذ والارباح، ليس فقط داخل حدود الولايات المتحدة بل اي مكان قد تصل إليه، يد الرجل الأبيض.  


الكاتب: مريم السبلاني




روزنامة المحور