الجمعة 10 حزيران , 2022

بايدن: أزمات داخلية ولوبيات نفطية انتهازية

بايدن وترامب

انها أوقات عصيبة على الأميركيين. اسعار الوقود مضاعفة. ذلك الشعب المغروم بسياراته الفارهة والشاحنات، لم يعد باستطعاته تحمل تكلفة ملئها. نسبة التضخم لم تشهدها الامبراطورية منذ 42 عاماً. حليب الأطفال مقطوع. ولأن الهموم ايضاً مثل المصائب، لا تأتي فرادة، الانتخابات النصفية للكونغرس على الأبواب.

خلال الأيام الأخيرة لحملته الانتخابية في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2020، أطلق الرئيس الأميركي جو بايدن برنامجه الانتخابي الذي يتضمن "خطة بيئية بتكلفة 2 تريليون دولار تركز على التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة" والوصول إلى تحقيق "استقلالية الطاقة" بخفض انتاج النفط واستيراده والاعتماد بشكل رئيسي على الطاقة النظيفة. حيث كان من أولى القرارات التي اتخذها مع بداية دخوله إلى البيت الأبيض، وقف تراخيص الأراضي الفيدرالية لامتيازات إنتاج الغاز والنفط إضافة لوقف العمل في تجهيز خط أنابيب كي ستون اكس أل  keystone XL ، الذي يبلغ طوله حوالي 1179 ميلاً وتصل قدرته الاستيعابية إلى 830 ألف برميل يومياً، والعمل على دعم مشاريع الطاقة البديلة...

لم يكن حلم بايدن هذا يتيماً، إنما كان امتداداً لمشروع صقور الحزب الديموقراطي منذ السبعينيات القرن الماضي. فجيمي كارتر الذي بالغ بإطلاق العنان لـ "مشروعه الكبير" كانت تقوم رؤيته على ضرورة التحرك لإنقاذ واشنطن من تبعيتها النفطية. إلا ان هذه التجربة لم تكن مُرضية، فحتى الفيلم الوثائقي الذي يحمل عنوان Carterland أو "أرض كارتر" لم يستطع إلا ان يعالج هذا الجانب: كارتر "لم يكن فاشلاً أو غير كفوء، ولا ضعيفاً أو متردداً، ولطالما حاول توجيه البلد نحو عصر الطاقة المتجددة، والحلول المناخية". ويقول ويل باتيز -أحد مخرجي الفيلم- ان "كارتر جازف بمخاطبة الرأي العام الأميركي مباشرةً وطالب الناس بمهمة صعبة وهي التركيز على الطاقة المتجددة وتخفيف الاتكال على النفط. سرعان ما دفع ثمن هذا الموقف الصريح ودفع الأميركيون معه ثمناً باهظاً". والأمر نفسه ينسحب على الرئيس الأسبق باراك أوباما الذي شدد على ضرورة المضي بهذا المشروع و"التحرك الفوري واتخاذ خطوات غير مسبوقة".

وصول ترامب يوقف حلم أوباما

مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني/ يناير عام 2017، عُلّق العمل بحلم أوباما، وبدأت مرحلة أخرى شكّلت ثورة حقيقية في عالم الطاقة الأميركي، بعد ان قام ترامب بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ (والتي وصفها بأنها ليست مصمّمة لإنقاذ البيئة، بل لقتل الاقتصاد الأميركي) وإطلاق العنان للشركات النفطية للتنقيب والاستخراج والإنتاج.

إلى ان تجاوزت الولايات المتحدة روسيا والسعودية في مجال إنتاج النفط الخام للمرة الأولى منذ عقدين من الزمن، مع وصول حجم الإنتاج العالمي إلى ما يناهز 17.8 مليون برميل يومياً وما يقدر بـ 18% من الإنتاج العالمي لعام 2018 مع زيادة الإنتاج من 32 ولاية. حيث أنتج في العام نفسه نحو 68% من إجمالي الخام الأميركي من 5 ولايات تضم: تكساس ونورث داكوتا، نيومكسيو، أوكلاهوما وألاسكا.

هذه الثورة الإنتاجية التي حققتها واشنطن عام 2018، والتي دعمها ترامب فعلاً، كانت نتيجة لعاملين ساهم في الدفع بهما الجمهوريون:

- قانون سياسة الطاقة لعام 2005 (وكان الرئيس حينها جورج دبليو بوش)، والذي سمح للدول بتطوير سياساتها الخاصة للحفر بدلاً من الاضطرار إلى مراجعة وكالة حماية البيئة للموافقة عليها.

-رفع حظر تصدير النفط في اتفاقية ميزانية عام 2016، والتي حصل عليها الكونغرس الذي كان يسيطر عليه الجمهوريون.

بايدن يتخبّط: النفط يؤثر في مستقبل الرؤساء

كان وصول رئيس بعقيدة ديموقراطية إلى سدة القرار بمثابة "نفخ الروح في حلم أوباما"، حيث كانت من أولى قراراته العودة إلى اتفاقية باريس للمناخ، وتخفيض انتاج النفط إلى أدنى المستويات. إلا ان العراقيل التي واجهت الرجل لا يمكن وضعها ضمن إطار الخسائر الجانبية التي يمكن تلافيها، إنما باتت ترسم مصير مستقبله السياسي على بعد أشهر من انتخابات الكونغرس النصفية:

-الاصطدام بالعملية الروسية في أوكرانيا وما نتج عنها من ارتفاع كبير في الأسعار العالمية للنفط.

-التضخم المستمر الذي تشهده الولايات الأميركية، ووفق ما ذكر موقع 19fortyfive فإن "نتيجة تجاوزات ميزانية العام الماضي والسياسة النقدية، يضطر بنك الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس والالتزام بتقليل حجم ميزانيتها العمومية بمقدار 95 مليار دولار شهريًا. ويؤدي هذا الآن إلى المخاطرة الحقيقية بإلقاء الاقتصاد في ركود لأسباب ليس أقلها إنه من المحتمل أن يؤدي إلى انفجار فقاعات أسواق الأسهم والإسكان".

-تمنّع السعودية عن الاستجابة إلى طلب بايدن في زيادة انتاج النفط. فطبقاً لحسابات ولي العهد محمد بن سلمان، فإن الضغط على بايدن -الذي حمّله مسؤولية مباشرة في اغتيال الصحفي السعودي المعارض جمال الخاشقجي- هو أمر مطلوب، وتوطيد العلاقة مع الجمهوريين -تمهيداً لولايتهم القادمة- أمر على رأس الأولويات، وزيادة انتاج الرياض للنفط يجب ان يكون مرهوناً بمكسب ما.

لوبي النفط يعمل لتطيير مشروع بايدن

توازياً مع اللحظات العصيبة التي تمر على بايدن، هناك "خصم خفي" آخر يعمل خارج دائرة الضوء بهدوء ودون صخب، يقوده اللوبي النفطي في البلاد بقيادة معهد البترول الأمريكي (API)، وWestern Energy Alliance (WEA)، وNational Ocean Industries Association. وبينما يجوب بايدن دول العالم لعدم زيادة انتاج النفط في بلاده، ودفاعاً عن "الحلم الكبير"، ينجح اللوبي النفطي في الحصول على التراخيص والاستثناءات اللازمة للشركات النفطية عبر الضغط على القضاء من جهة وعلى بعض أعضاء الكونغرس من جهة أخرى مقابل مبالغ طائلة.

مركز التقدم الأميركي center for american progress، كشف في تحقيق له نشر في آذار/ مارس الماضي ان حجم انفاق المسؤولين التنفيذيين في مجال النفط يصل إلى ملايين الدولارات كل عام للتأثير على صناع القرار بهدف وضع أرباحهم ودفعهم فوق أي شيء آخر. فقد أنفقت صناعة النفط والغاز واتحاداتها التجارية 55.6 مليون دولار على الضغط منذ بداية العام وحده. في عام 2020، كان هذا الرقم أكثر من 112 مليون دولار". ويشير التحقيق إلى انه يتم "إنفاق الكثير من هذه الأموال لدعم السياسيين الذين يدافعون عن قضية صناعة النفط، حتى عندما يكون ذلك ضد مصالح ناخبيهم. وجدت بيانات تمويل الحملات التي تم تحليلها من قبل Public Citizen أن أعضاء الكونغرس الـ 29 الذين أصدروا بيانات تندد بوقف إدارة بايدن المؤقت للتأجير تلقوا 13.4 مليون دولار على مدار حياتهم المهنية من مصالح النفط والغاز".

عام 1977، سافر جيمي كارتر إلى إيران للقاء الشاه والاحتفال بليلة رأس السنة برفقته، رغم انتقاداته الواسعة على أداء الأخير وجرائمه المتزايدة وانتهاكاته لحقوق الانسان، غير ان الدافع للزيارة كانت قضية تشكل مصدر قلق حينها، يمكن تلخيصها "بوجوب الحصول على نفط بأسعار منخفضة وإمدادات نفطية آمنة". وبهذا، لا يمكن وضع زيارة بايدن إلى السعودية إلا ضمن هذا الاطار.

مع تعثر وصول بايدن إلى ضفة آمنة بعد أشهر على ارتفاع أسعار النفط، ومع عدم وجود أفق واضح لإنهاء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، يبدو ان على بايدن الاستماع  إلى ترامب في نهاية المطاف "إذا أراد بايدن خفض أسعار النفط، يجب عليه ان يخلق طاقة جديدة... طواحين الهواء لن تفعل ذلك"، وعلى ما يبدو انه قد حان الوقت ليقتنع بايدن ان السياسات لا تصنعها المشاريع بل التحولات.


الكاتب: مريم السبلاني