الإثنين 10 تشرين أول , 2022

الصين في عقر دار واشنطن: الاقتصاد الاميركي ليس حراً!

يؤمن الرؤساء الاميركيون بفكرة العداء للصين. ويتوارث هؤلاء العمل على تطبيق "الانفصال الاقتصادي" عنها، مهما تنوعت مشاربهم من ديموقراطيين وجمهوريين. قد لا يبدو الامر مستغرباً للوهلة الأولى. اذ ان التنافس على قيادة العالم اقتصادياً، قد بلغ ذروته خلال العقدين الماضيين. لكن ما يجعل الأمر أكثر إثارة، هو ان أكبر مستورد للبضائع الصينية في العالم، هو واشنطن نفسها.

في 28 حزيران/ يونيو عام 2019، وخلال لقاء قمة العشرين في أوساكا اليابانية، زعم الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، "التوصل إلى انفراجة دولية"، بالحرب الاقتصادية التجارية بين كل من بكين وواشنطن، وأعلن عن تعليق 2 من التعريفات الجمركية التي فرضت على البضائع الصينية إضافة لرفع القيود عن الشركات الأميركية والسماح لها بالتعامل مع عملاق الاتصالات الصينية، هواوي. حينها، وصفت التقارير الإعلامية هذه الخطوة على أنها "إعلان لوقف إطلاق النار". إلا ان ذلك لم يدم طويلاً.

كان "وقف إطلاق النار" المفترض، أشبه بهدنة هشة لم تدم أكثر من 3 أشهر. اذ ان ترامب، عاد وفرض تعريفات جمركية إضافية، على واردات صينية بحوالي 125 مليار دولار، بحلول شهر أيلول/ سبتمبر من العام نفسه. وهو ما ردت عليه بكين من جهتها، على مبدأ التعامل بالمثل.

لم يغرّد الرئيس، جو بايدن، خارج السرب. بل واصل فرض مزيد من القيود، كان أبرزها منع الشركات الأميركية من الاستثمار بما يقارب 59 شركة صينية. وعلى الرغم من التحذيرات العديدة التي تلقاها من الشركات بما وصفته "تصرفات منفردة" تحمل عواقب على الاقتصاد الأميركي وحده، كان بايدن أكثر اصراراً. وكانت نتائج فرض الرسوم على الواردات الصينية، ارتفاعاً متزايداً على المستهلكين الأميركيين، بحوالي 80 مليار دولار خلال عام 2018 فقط، كما أسفر عن فقدان حوالي 300 ألف وظيفة عمل. إلا ان ذلك لم يؤثر على نسبة العجز التجاري مع بكين، إلا بنسبة متواضعة، من 347 مليار دولار عام 2016 إلى 344 مليار عام 2019.

الصين عاصمة الاستيراد الأميركي

وفقًا لقاعدة بيانات الأمم المتحدة COMTRADE حول التجارة الدولية، في آخر تحديث لها في تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، بلغت الواردات الأميركية من الصين 541.53 مليار دولار، عام 2021. فيما بلغت الواردات الصينية من الولايات المتحدة 180.97 مليار دولار خلال العام نفسه.

وتقول منصة Jungle Scout -مقرها الرئيسي في تكساس- ان "الصين هي المورد الرئيسي لكل فئة استيراد للولايات المتحدة. تتتبع أهم فئات منتجات الاستيراد الخاصة بها تلك الموجودة في الولايات المتحدة، وتتنوع بين الآلات الكهربائية (24٪ من واردات واشنطن من بكين)، المعادن (10%)، إضافة للمنسوجات والبلاستيك ورقائق الألومنيوم وطابعات الليزر...  

في 30 حزيران/ يونيو عام 2021، استقبلت الموانئ البحرية الأمريكية حوالي 7 مليون و500 الف شحنة من البضائع من جميع أنحاء العالم، فيما وصلت في نهاية العام إلى ما يقارب 15 مليون شحنة. وتكمن المفاجأة هنا، ان 42% من إجمالي هذه الشحنات قادمة من الصين.

وتعتبر Jungle Scout ان الصين في مسارها التصاعدي الحالي "ستستمر بقيادة الواردات الأميركية في كل فئة في المستقبل المنظور، نظراً لقوة الصين في التصنيع وزيادة طلب المستهلكين على منتجاتها في الولايات المتحدة".

عام 2021، وصل حجم تجارة السلع الصينية إلى 6.05 تريليون دولار، بزيادة 1.4 تريليون دولار مقارنة بالعام السابق، وفق ما أظهرت نتائج بيانات رسمية أصدرتها الهيئة العامة للجمارك. في حين نما حجم التجارة المقومة باليوان بنسبة 21.4 %على أساس سنوي، ليبلغ 39.1 تريليون يوان، وعلى وجه التحديد، زادت الصادرات 21.2%، لتبلغ 21.73 تريليون يوان. وبحسب لومبرغ، فقد ذهبت 55% من الصادرات الصينية إلى 10 دول، وجاءت الولايات المتحدة في المرتبة الأولى باستيراد 576.1 مليار دولار، تلتها هونغ كونغ، ثم اليابان، ثم كوريا الجنوبية، ثم فيتنام في المركز الخامس، فيما كانت ألمانيا وهولندا في المركزين السادس والسابع على التوالي، وكانت الهند ثامن أكثر الدول استيراداً من الصين، تلتها بريطانيا في المركز التاسع، وماليزيا في المركز العاشر.

لا شك ان الاقتصاد الأميركي لا يزال يحافظ على أرضية اقتصادية قوية. إلا ان الطموحات الرامية للانفصال عن الشبكة الاقتصادية الضخمة التي فرضتها الصين على الساحة الدولية، لا زالت قاصرة عن التحقق. ويقول أستاذ العلاقات الدولية في كلية نيويورك، راجان مينون: "إذا أرادت إدارة بايدن تحقيق النجاح، فإن الأمر لن يقتصر على إعادة ترتيب قطاعات كبيرة من اقتصادها المعولم، بل عليها أيضاً أن تضمن مشاركة الدول الأخرى التي تعدّ من الشركاء التجاريين والمستثمرين الكبار مع الصين، وهي أهداف سيكون من الصعب تحقيقها أكثر مما يتوقع كثيرون في واشنطن".

حشد "الدول الشركاء" لهذا الغرض، يفرض أمرين: الأول، تأمين الولايات المتحدة للبديل الجيد والمستمر والواعد الذي بإمكانه تعويض هذه الدول عن الصناعات الصينية، وهذا ليس من السهل تحقيقه. والثاني، عدم قدرة واشنطن على ان تكون "قِبلة جامعة" لكل هذه الدول، بعد المشهد الجديد الذي تبلور بعيد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، والقطيعة مع السعودية وما أفرزته العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا من اصطفافات جديدة لمعظم العواصم، حتى الأوروبية منها، والتي أصبحت بعد 24 شباط/ فبراير الماضي، بصدد اتباع مسار مختلف، تقلل فيه اعتمادها على كل من روسيا وواشنطن معاً.


الكاتب: مريم السبلاني




روزنامة المحور