الثلاثاء 15 تشرين ثاني , 2022

حرب الأدمغة الاستراتيجية بين المقاومة والكيان المؤقت

الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله

خاضت المقاومة في لبنان تجربة جديدة وذات خصوصية تتعلق بترسيم الحدود البحرية مع كيان الاحتلال المؤقت، نتج عنها فرض شروط لبنان بعد تمنع إسرائيلي/أمريكي دام أكثر من عشر سنوات، حيث أتيحت للمقاومة الفرصة بالتدخل بشكل مؤثر في مسار التفاوض بعد الإعلان عن نية كيان الاحتلال البدء باستخراج الغاز من حقل كاريش الواقع في المياه المتنازع عليها، بدءً من تاريخ 10/6/2022 وانتهاءً بتاريخ 27/10/2022، حيث قامت المقاومة بمجموعة خطوات إعلامية وردعية وعسكرية وأمنية ودبلوماسية، أفضت إلى رضوخ كيان الاحتلال والولايات المتحدة لمطالب لبنان وإقرار الحدود البحرية اللبنانية وفق الخط 23 الذي طالبت به الدولة اللبنانية.

شكلت هذه المواجهة لحظة فارقة في الصراع حيث تم اخضاع العدو دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة وذلك من خلال المخاطرة الدقيقة والهادفة والوقوف على حافة الحرب، ما مثل اختباراً استراتيجياً اثبت عجز الكيان عن اتخاذ قرار المواجهة وتحمل تبعاتها ما أدى إلى فشله في الاختبار ورضوخه للمطالب اللبنانية.

بناءً على أهمية هذا الإنجاز وخصوصية هذه المواجهة وما استندت إليه من مقاربة استراتيجية جديدة، قدم مركز غرب آسيا هذا النموذج التحليلي الذي يقدم مقاربة أولية لهذه التجربة بما يتيح فهمها بشكل منظم ومنهجي لإدراك حرب الأدمغة الاستراتيجية من خلال فهم عناصر الفعالية على الشكل التالي:

عناصر الفعالية

العبرة الأساسية من هذه التجربة تمثلت في عناصر الفعالية، والتي لا يمكن حصرها بدقة، لكن يمكن التأكيد على عدة عناصر حاسمة تشكل جوهر هذا النموذج وهي: 1) سعة الرؤية، 2) إدارة التشابك، 3) الواقعية الجريئة، 4) المرونة التفصيلية، 5) التأثير في الحسابات، 6) تحويل التهديد إلى فرصة.  

1-سعة الرؤية:

إدارة المواجهة وفق رؤية كلية تستوعب المستويات الاقتصادية والأمنية والسياسية، والساحات الدولية والإقليمية والمحلية، حيث لم تعد المعركة محصورة بالمواجهة العسكرية مع العدو الإسرائيلي أو التكفيري، بل اتسع المسرح بشكل غير مسبوق، وقامت المقاومة بعملية تكيف متناسبة مع الظرف والتحولات المتسارعة بفعل الصراع الجاري بين القوى الكبرى وتداعيات المتلاحقة والمتعددة المستويات على منطقة غرب آسيا.

-لصعوبة الظرف الاقتصادي في لبنان نتيجة الحصار الأمريكي، وسعي الأخير لإبقاء لبنان معزولاً سياسياً على الصعيد الإقليمي والدولي ما أثّر على وضعه الأمني والسياسي الداخلي، والحرب الروسية- الأوكرانية التي زادت من الحاجة الدولية لمصادر الطاقة، وجدت المقاومة أن الظرف القائم هو الأمثل للمضي قدماً في تحصيل حقوق لبنان في البحر لكسر الحصار الأمريكي وإرغام الكيان المؤقت على الالتزام بقواعد الاشتباك وعدم استباحة سيادة لبنان، والاستفادة من الثروات النفطية والغازية في البحر لتحسين وضع لبنان الاقتصادي بالاستفادة من الحاجة الدولية لمصادر الطاقة.

2-إدارة التشابك:

بناءً على الرؤية والتكيف الجديد، تم دمج جدول الإجراءات السياسية والإعلامية والأمنية والعسكرية بشكل يضم ويحتوي على الأبعاد المتداخلة، وتم ضبط الإجراءات لتراعي التشابك القائم بين الأبعاد وتراعي التأثيرات القائمة فيما بينها، ولتحقيق النتيجة من خلال تجاوز التحديات والمخاطر المختلفة.

-حرصت المقاومة على الوقوف خلف الدولة في تحديد خطوط الترسيم وتقديم الدعم الكافي والازم للمسؤولين عن قضية الترسيم من قوة عسكرية وموقف سياسي يدعم تلك الجهود، بالإضافة إلى تضامن إعلامي كبير يدعم الدولة والمقاومة، وكانت إجراءات المقاومة محددة ضمن حدود التأثيرات التي لا تدحرج الأمو نحو مواجهة عسكرية مع الكيان المؤقت.

3-الواقعية الجريئة:

التقدم نحو حافة الحرب لعدة مرات من دون الدخول فيها بشكل دفعي، بأسلوب جريء وواقعي يستند إلى فهم تأثير المخاطرة المحسوبة وإلى قياس التكاليف، وإجراء عملية تعبئة الرأي العام بدقة توازن بين الواقعية والجرأة وبين التوقعات الإيجابية والمخاطر المحتملة.

-منذ اليوم الأول قدمت المقاومة ملف الترسيم البحري، على أنه قضية وطنية جامعة تستوجب تعبئة لكافة أطراف الشعب اللبناني وعلى مختلف المستويات، وفي نفس الوقت قامت المقاومة بإجراءات عملية تمنع الكيان من تحقيق أهدافه، فبالإضافة إلى التهديدات المتدرجة التصعيد، كان لمسيرات المقاومة الدور الحاسم والفعّال في تحريك عجلة التفاوض وإرغام الإدارة الأمريكية للتوصل إلى حل بعيد عن أي مواجهة، وكانت عملية المسيرات دليل على دقة المقاومة في إدارة خطواتها لإيصال الرسالة المناسبة تحقيقاً للهدف المحدد بدقة.

4-المرونة التفصيلية:

المواجهة الاستراتيجية الحاسمة والقرار الثابت بتحصيل الحقوق لم يمنع من ممارسة المرونة في التفاصيل، والتراجع والتقدم، وترك هامش للمناورة المستقبلية، والقبول بعدم تحقيق الأهداف الجزئية لصالح الإنجاز الكلي.

-وضعت المقاومة هدفاً محدداً يجدر تحقيقه، تحصيل لبنان لحقوقه البحرية وترسيم الحدود بما يتناسب مع قرارات الدولة اللبنانية، ذلك من دون تبني خط من الخطوط المتنازع عليها، بل ارتضت بقرار الدولة، وهي تعتبر خطوة تؤسس لمرونة في التعاطي مع الملف عند أي منعطف لذا انتقلت المقاومة بشكل متسلسل في مواقفها عند كل خطوة تجري إيجابية كانت أم سلبية، وبشكل يتناسب مع المرحلة حتى لو استدعى الأمر تراجعاً بسيطاً في الموقف تحقيقاً للهدف الأكبر.

5-التأثير في الحسابات:

 ارتكزت هذه الحرب بشكل مؤكد على التأثير في حسابات الطرف الآخر، حيث تم إخضاعه من خلال إدارة الرسائل التي أدت إلى التحكم بقراره ومنعه من المناورة والالتفاف، ورسم جدول الفوائد والخسائر والمخاطر الذي التزم به وأعلن عنه بشكل يطابق حرفياً تلك الرسائل.

-أرسلت المقاومة رسائل عديدة للأطراف، تظهر فيها تأكيداً على الموقف في استهداف منشآت العدو الإسرائيلي في حال عدم التزامه بالمفاوضات والاستخراج من دون اتفاق، وأظهرت حركة الأطراف المترددة وانصياعها لإرادة المقاومة، أهمية هذه الرسائل التي شكّلت ثقلاً في الحسابات لدى العدو والأطراف رجحت لديهم كفة التكاليف والخسائر الممكن حصولها.

6-تحويل التهديد إلى فرصة:

استفادت المقاومة من الظرف اللبناني لتشكل الحوافز الكافية لاستخدام القوة وتحمل المخاطر دون الانجراف نحو المواجهة السريعة، في مقابل العدو الذي لم يمتلك القدرة على المخاطرة، وبذلك تحويل التهديد إلى الفرصة.

-طوال فترة التفاوض، أوضحت المقاومة عبر مسؤوليها وعلى رأسهم الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، ضرورة الذهاب في هذه المواجهة إلى أبعد الحدود نتيجة الوضع الاقتصادي اللبناني المتأزم ومدى أهمية الثروات البحرية وتأثيرها على الاقتصاد اللبناني حال تحصيلها، وكانت خطوات المقاومة المحسوبة أثبتت هدف المقاومة الحقيقي في تحصيل الحقوق لا المواجهة العبثية فقط.


المصدر: غرب آسيا