الجمعة 18 تموز , 2025 01:56

المنطقة العازلة في الجنوب اللّبناني حتى الجنوب السّوري

الجيش الإسرائيلي وحدود لبنان وسوريا

في أعقاب سلسلة من التحوّلات الإقليمية المتسارعة التي بدأت تتبلور منذ خريف عام 2024، من تحييد جبهة حزب الله في الجنوب اللبناني إثر معركة "أولي البأس"، إلى إسقاط النظام السوري وقيام نظام عسكري جديد بقيادة أحمد الشرع (الجولاني)، تتّضح معالم مشروع صهيوني كبير يُعيد إحياء فكرة "الحزام الأمني" القديمة، لكن بنسخة أوسع وأعمق، تمتدّ من الناقورة حتى محافظة درعا جنوب سوريا، مروراً بجنوب لبنان وسهل حوران، ففي لبنان استغل العدوّ وقف إطلاق النّار وغياب المراقبات الدّوليّة، وفي سوريا  تقدّم تحت عنوان زائف هو:"حماية الأقليات الدينية (الدروز)".

تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة عسكرية استراتيجية لهذه المنطقة الآمنة الّتي يسعى إليها العدوّ، من منظور إسرائيلي – ميداني وعملي – كما من منظور مقاوم. وسنحاول تفكيك البعد العسكري لهذه "المنطقة العازلة الكبرى"، وكيف يرى العدوّ فائدتها، وماذا يمكن للمقاومة أن تفعله في ظلّ وقائع جديدة تتضمن غياب "الدولة السورية المركزية" عن الجنوب، وتراجع محور المقاومة سياسيًا وعسكريًا في لحظة إقليمية حرجة.

أولاً: دوافع العدوّ الإسرائيلي لإقامة المنطقة العازلة

-1- حماية "الخاصرة الرخوة" الشمالية:

تعتبر إسرائيل منطقة جنوب لبنان وجنوب سوريا خاصرتها الرخوة والأكثر تهديدًا في أي مواجهة كانت. وقد أثبتت التجربة – من تحرير 2000، إلى عدوان 2006، إلى تحضيرات حزب الله في الدّاخل السّوري كالقنيطرة – أن هذه الجبهة قادرة على تشكيل عمق ناري فعّال للمقاومة، لذا، فإن إقامة منطقة عازلة تُفرغ هذه الجبهة من القدرات الفاعلة، وتؤمن "خط دفاع أولي" من نوع خاص.

-2-إعادة صياغة مفهوم "الأمن الإيجابي":

في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، هناك تحوّل تدريجي من ردع التهديدات إلى منعها قبل أن تتكوّن، لذا، فإن المنطقة العازلة لن تكون فقط لإبعاد النيران، بل ستكون أيضًا منصة متقدّمة للرقابة الجوية، عمليات الطائرات دون طيار، ونقاط انطلاق محتملة للوحدات الخاصة والمخابراتية في العمق السوري واللبناني، كما كانت قواعد النّقب والجليل.

-3- الاستثمار في الفوضى:

سقوط الدولة السورية المركزية وبروز نموذج الجولاني كنظام تابع وقابل للتوجيه الأمني يُعدّ الفرصة الذهبية للعدوّ الّذي أوجدها لخلق نوع من "الاستقرار التابع"، حيث تكون الجغرافيا آمنة لكن النظام هشّ وخاضع. وهذا يُمكّن الاحتلال من التدخل العسكري عند الحاجة دون مواجهة معارضة محلية أو دولية حقيقية.

-4- تمكين الحماية المحلية:

من خلال دعم المكوّن الدرزي، تسعى إسرائيل إلى خلق جيش محلي حليف (كما فعلت مع جيش لحد سابقًا)، يرفع عنها كلفة التورط المباشر، ويؤمّن لها خط جغرافي آمن خالٍ من خطر تسلل المقاومين.

ثانيًا: أهمية المنطقة العازلة عسكريًا للعدوّ

-1- الاحتواء والسيطرة من دون احتلال مباشر:

يُحقق العدوّ عبر هذه المنطقة أوسع احتلال سياسي – أمني من دون تواجد كثيف لقواته. تعتمد الخطة على دمج التكنولوجيا (رادارات، مراقبة حرارية، ذكاء اصطناعي)، مع وكلاء محليين (من المكوّن الدرزي أو حتى عناصر الجيش السوري الجديد، الّذي أصبح كالشّرطة الأمنيّة فقط كما السّلطة الفلسطينيّة)، وبالتالي يُنتج منظومة دفاع متكاملة.

-2- تفكيك الاتصال بين الجبهات:

تُعدّ هذه المنطقة حاجزًا استراتيجيًا لفصل جبهة الجنوب اللبناني عن الجنوب السوري، ما يعني ضرب وحدة الجبهات، ففي حال عدم وجود المنطقة العازلة يمكن الاستفادة من الجنوب السّوري إذا استيقظ الضّمير المقاوم عند شرفاء سوريا (وهذا ما يحسب له العدوّ على المدى الإستراتيجي، إذ أنّ العمل باستراتيجيّة الإنذار المبكر من خلال قراءة مؤشّرات يمكن أن تبدو للعوام من النّاس وبعض المحلّلين صعبة الحدوث، إلّا أن العدوّ يعتبر مؤشّر حدوثها عالٍ ويتعامل معها) فيقيّد بعدها أي انتقال للمقاومين، أو الصواريخ أو البنية التحتية حتّى بين الجبهتين للاستفادة من الموقع الإستراتيجي للجنوب السّوري المؤثّر على العمق الإسرائيلي في حال حدوث نار.

-3- نسف احتمال فتح المسارات اللوجستية للمقاومة (خطوط الإمداد):

ففي حال كما تقدّم استيقاظ الضّمير المقاوم الّذي يفترضه العدوّ، ستكون خطوط الإمداد على طريق ال M4  في خطر من قبل الإسرائيلي بمجرّد استيلائه على الجنوب السّوري، خصوصًا مع تدمير البنية السورية، فستمثل هذه المنطقة حاجزًا أمام خطوط إمداد حزب الله من البوكمال والبادية والجنوب، إلى العمق اللبناني.

ثالثًا: كيف تقاوم المقاومة في ظل هذه المنطقة؟

-1- تكتيك "البؤر غير الخاضعة": (مصطلح عسكري استخدمه كلاوزفيتز في كتابه: في الحرب، حاولت توظيفه في المشهديّة والسّيناريو)

يمكن اعتماد نموذج البؤر غير المحكومة في الجبال والتضاريس الصعبة (جبل الشيخ، جبل العرب، سهل الروج)، بحيث تُزرع فيها خلايا مقاومة شعبية مستقلة قادرة على الضرب والاختفاء، مستفيدة من الانقسام الإثني (انقسام المجتمع إلى مجموعات متمايزة) والمناطقي.

-2- التسلل الرقمي والناري:

لا يشترط للمقاومة أن تكون موجودة جسديًا داخل المنطقة، بل يُمكن استخدام المسيّرات والصواريخ الدقيقة لتفكيك المنظومة الأمنية داخل هذه المناطق، وضرب مفاصل السيطرة، أتكلّم هنا في المدى البعيد، لزعزعة الاستقرار.

-3- إحداث صدمة و"إرهاب تكتيكي": (مصطلح في علم النّفس العسكري وظّفته هنا)

يُمكن اعتماد هجمات نوعية بين الحين والآخر تُحدث خللًا في شعور العدو بالأمن، كما فعلت المقاومة في منطقة الغجر وسهل كفرشوبا...، ما يمنع "التمأسس الأمني" الإسرائيلي الكامل.

رابعًا: التحديات أمام المقاومة: هنا سأحاول قراءة بعض التّحدّيات الّتي يمكن استنتاجها:

- العزلة الجغرافية: تراجع نفوذ إيران وسقوط دمشق جعل من الجنوب السوري منطقة معزولة نسبيًا، وهذا سهّل الأمر على العدوّ لبدء مخطّطه: فالمقاومة في الجنوب السّوري معدومة.

- الضغط الدبلوماسي والدولي: أي عمليات في الجنوبين قد يُنظر إليها على أنها "خرق للاستقرار"، ما يعطي العدوّ شرعية للضرب مجددًا بدعم من حلفائه.

خامسًا: استراتيجية المقاومة الممكنة:

- عدم ترك أي منطقة فارغة: لا يجب السماح للعدوّ بالتمدد بهدوء، حتى وإن لم تكن هناك مواجهات مفتوحة، فوجود خلايا رصد وتخريب وتوثيق هو ضرورة أمنية.

- بناء جبهة جنوبية سرّية: على غرار بداية المقاومة في لبنان في الثمانينات، زرع خلايا غير مرئية في الجنوب السوري، تنمو ببطء وبلا ضجيج.

الخاتمة:

المشروع الصهيوني لإقامة منطقة عازلة تمتد من الناقورة إلى درعا، وإن بدا ناجحًا في ظاهره على المدى القريب، إلا أنه مليء بالثغرات الاستراتيجية والمخاطر البنيوية، فالتاريخ والميدان أثبتا أن لا منطقة تبقى آمنة حين تكون مواجهة المقاومة خيارًا مفتوحًا.

المطلوب من قوى المقاومة اليوم أن تستبق تمأسس العدوّ، وأن تبدأ من الآن في تفكيك هذا المشروع أمنيًا وشعبيًا وعسكريًا، لأن ترك العدوّ يبني خطوطه الدفاعية دون إزعاج هو انتحار تدريجي لعمق الجبهة. وعليه، فإن هذه المنطقة العازلة لن تكون آمنة طالما بقي هناك مشروع مقاوم يعرف الأرض، ويؤمن بالعقيدة، ويملك الإرادة.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع


الكاتب: أحمد علاء الدين




روزنامة المحور