يُحكى أن رجلًا يُدعى عرقوب كان له بستان من النخل، فجاءه أخوه يطلب منه ثمرًا، فقال: “حين تُثمر النخلة”. فلما أزهرت قال: “دعها حتى تصير بلحًا”. فلما أبلحت قال: “دعها حتى تصير رطبًا”. فلما ترطبت قال: “دعها حتى تصير تمرًا”. حتى إذا اكتمل التمر وجناه، جناه لنفسه ولم يُعطِ أخاه شيئًا. ومن يومها صارت “مواعيد عرقوب” مضرب المثل في المماطلة وخلف الوعود، حتى قال كعب بن زهير: كانت مواعيدُ عرقوبٍ لها مثلاً وما مواعيدُها إلا الأباطيل.
أما في سوريا اليوم، فالأمر أشد مرارة؛ فـ”نظام الجولاني” لم يكتفِ بوراثة طباع عرقوب في التسويف والمماطلة، بل فاقه في الخواء. فعرقوب على الأقل كان يعد بثمار نخلة موجودة، أما “بستان” الجولاني المزعوم فلا يثمر إلا تحريضًا وقتلًا، وقودًا لاقتصاد أمراء حربه، وريعًا لشبكات الميليشيا التي تحكم باسمه.
التحريض الطائفي أداة النظام
لم يعد التحريض الطائفي والانقسامي حالة عابرة أو انفعالًا شعبيًا، بل صار أداة مركزية في يد هذا شبه النظام، يضبط جرعاته بدقة؛ بالأمس كان الدروز في الواجهة، واليوم يُدفع بالأكراد إلى المقدمة، وغدًا قد يُستحضر ملف العلويين أو غيرهم، تبعًا لتقلب الصفقات وتبدّل موازين الإقليم. ليست القضية “غيرة على الدين” ولا “حماية للوطن”، بل ماكينة سياسية–أمنية تعرف تمامًا متى تشعل النار ومتى تُخفض لهبها.
هذا الكيان، الذي يرفع لافتة الدولة السورية، ليس نظاماً أمنياً فضلاً عن أن يكون دولة بالمعنى المؤسسي، بل هو شبكة مرنة من الميليشيات، أقرب في هيكلها إلى تنظيم جهادي منها إلى حكم مركزي. على السطح واجهة باسم الجولاني، وفي العمق مجموعات مسلحة ومشايخ وناشطون ومتنفذون يتقاسمون الغنائم وفق الولاء والمحسوبية. وحتى المساعدات أو الاستثمارات التي قد تدخل، تُمتص وتُوزع ضمن آليات اقتصاد الحرب نفسه، فتزيد قوة أمراء الميدان بدل أن تُبنى بها مشاريع إعمار حقيقية.
الأيديولوجيا التي تحرك هذه الشبكات ليست مجرد تبرير نظري، بل مزيج فاشي يجمع بين خطاب المظلومية السنية المزعومة – الذي يقدّم السنة كضحايا دائمين للتاريخ والسياسة – وبين الاستعلاء الطائفي الذي يصوّرهم في الوقت نفسه كأمة مختارة صاحبة حق طبيعي في السيادة على الآخرين. ويُضاف إلى ذلك خطاب المسكنة الذي يحاول استدرار التعبئة الطائفية عبر تصوير الذات في موقع المغلوب المقهور، مع التلويح الدائم بصور المذابح والتهجير التي خططت لها تلك التنظيمات التكفيرية نفسها ثم نفذّتها عندما حوّلت شوارع ومدن السنة في سوريا إلى ساحات معارك مع الدولة السابقة وبين بعضها هي ذاتها، ثم يتم قلب هذا الخطاب إلى نزعة افتخار تاريخية تتغنى ببني أمية كنموذج “العصر الذهبي” للحكم، حيث يختلط الحنين السياسي بالرغبة في إعادة إنتاج نموذج استبدادي ديني بغطاء طائفي، علما بأن السلطة التي تحكم اليوم في دمشق لا يمثل فيها لا سنة دمشق ولا حلب ولا أي من الحواضر السورية العريقة فضلا عن تمثيل الطوائف من غير العرب السنة، بل تقتصر واقعياً على ائتلاف عصبيات عشائرية من أرياف إدلب ودير الزور وحماة لا تمثل إلا الأقلية في سوريا، لكنها أقلية تتلقى الدعم اللامحدود من الغرب الاستعماري ووكلائه حكام الخليج وتركيا .
هذا المزيج الأيديولوجي يمنح شبه نظام الجولاني قدرة مزدوجة: تعبئة جمهوره الداخلي عبر بث مشاعر الاستعلاء الممزوجة بالمرارة التاريخية، وتبرير العدوان على المكوّنات الأخرى بوصفه “استعادة للحق” أو “تصحيحًا للمسار”، مع ضمان استمرار ماكينة التحريض التي تغذي اقتصاد الحرب.
التحريض، في هذا السياق، ليس عرضًا يمكن الاستغناء عنه، بل هو شرط بقاء لشبه نظام الجولاني. فبدونه تتعطل آلية الحشد، وتضعف السيطرة، وتتقلص الموارد. وحتى إذا اختفت الأقليات من المشهد، ستُفتعل خطوط انقسام جديدة داخل المكوّن الواحد ليستمر اللهب مشتعلًا.
وفي ظل هذه البنية، لا مستقبل لسوريا كدولة طبيعية، ومن يحلم بأبراج شاهقة على الطراز الخليجي، أو بمترو عصري في دمشق، أو بمشاريع إعمار عملاقة، إنما يقف في صف طويل من ضحايا مواعيد "عرقوب"؛ وعود أُنشئت لتُؤجَّل، لا لتتحقق، ولتبقي الحلم حيًا فقط بالقدر الذي يطيل عمر سلطة لا تعيش إلا على الحرب والتحريض.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع
الكاتب: غيلان الدمشقي