الجمعة 29 آب , 2025 04:40

التحدي الاستخباراتي الإسرائيلي الكبير والمعقد أمام اليمن

قيادة القوات المسلحة اليمنية

يؤكد فشل عملية الاغتيال الإسرائيلية بالأمس الخميس في اليمن، أن الكيان المؤقت يواجه تحدياً استخباراتياً كبيراً في جبهة الاسناد هذه، ستمنعه من تحقيق أي إنجاز يسعى إليه. فللمرة الأولى يصرّح كيان الاحتلال الإسرائيلي بأن قصفه للعاصمة اليمنية صنعاء، هدفه اغتيال قيادات عسكرية عليا في حركة أنصار الله - سبق له خلال العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران أن لمّح لحصول عملية اغتيال وقد باءت بالفشل أيضاً – ثم تؤكد تصريحات المسؤولين في اليمن كذب الادعاءات الإسرائيلية.

وذكرت ‏إذاعة جيش الاحتلال بأن التقديرات تفيد بنجاح العملية، وزعمت بأن الغارات قد نفذت وفقا لمعلومات استخباراتية دقيقة و"استهدفت اجتماعا لقادة عسكريين وسياسيين"، مشيرةً الى أن رئيس الأركان اللواء عبد الكريم الغماري كان من بين المستهدفين في الهجوم. في حين تحدثت مصادر اعلامية أخرى أن الاعتداء الإسرائيلي استهدف بشكل متزامن اجتماعا لقيادات عسكرية بارزة، بينهم وزير الدفاع في حكومة صنعاء اللواء محمد العاطفي، ووزير الداخلية اللواء عبد الكريم الحوثي، وهو ما نفاه العديد من المسؤولين اليمنيين جملة وتفصيلا.

وهذا ما دفع رئيس المجلس السياسي الأعلى في صنعاء المشير مهدي مشاط الى القول في تصريح لوكالة "سبأ" اليمنية بأن "الضربات الصهيونية فاشلة وستظل فاشلة". مؤكّداً بأن ذراع اليمن "الطولى ستلقن الكيان الإسرائيلي الدرس اللازم"، ومشيراً الى أن "المجرم نتنياهو يجر الكيان الصهيوني إلى نهايته"، مخاطباً رئيس حكومة الاحتلال قائلا "دخلت في تحدّ مع شعب لست بمستوى نزاله...أفشلنا مؤامراتكم رغما عنكم، وضرباتكم لن تهز شعرة في رأس أصغر طفل منا".

نقاط الضعف الاستخباراتية الاسرائيلية

هذا التحدي الاستخباراتي الكبير أما الكيان، يكشف عن نقاط ضعف عميقة في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. بدءًا من الثغرات الجغرافية والاعتماد المفرط على الحلفاء والمتعاونين (من أجهزة استخبارات عربية)، وصولًا إلى المفاجآت العسكرية، وتمتد إلى الاضطراب الاقتصادي، وضعف الردع، والإحراج الاستراتيجي.

وأبرز معالم هذا التحدي:

1)نقاط ضعف جغرافية وعملياتية:

تكمن إحدى نقاط الضعف الأولى في الطبيعة الجغرافية لقاعدة نفوذ حكومة صنعاء. فموقع اليمن الجغرافي بعيد عن مناطق المراقبة المباشرة لإسرائيل مثل لبنان وسوريا وغزة. ونظراً لإخفاق مسؤولي الكيان في تقدير خطورة اليمن وعدم تفعيل جهد استخباري سابقاً ضده، فإنه على ما يبدو فإن أجهزة المخابرات الإسرائيلية تفتقد لشبكات استخبارات بشرية واسعة النطاق (HUMINT) هناك. وبالتالي فإن أي اختراق بشري لهذه الجبهة يحتاج الى جهد عميق وطويل الأمد وامكانيات هائلة، نظراً لحجم حركة أنصار الله والمنطقة الجغرافية التابعة لها.

وفي السياق، توفر الجغرافيا الجبلية لشمالي اليمن غطاءً طبيعيًا لعمليات القوات المسلحة اليمنية، مما يجعل صور الأقمار الصناعية والمراقبة الجوية أقل فعالية بكثير. ومنطقياً ستجد المخابرات الإسرائيلية، التي تعتمد بشكل كبير على الاستخبارات التقنية (استخبارات الإشارات، وصور الأقمار الصناعية، والطائرات بدون طيار)، صعوبة في اكتشاف التحركات المخفية داخل الأودية والكهوف والأنفاق والمناطق الوعرة. ويعكس هذا الإخفاء الطبيعي بعض التحديات التي سبق لإسرائيل أن واجهتها مع حزب الله في جنوبي لبنان، ولكن في اليمن، فإن المسافة ونقص الأصول الثابتة يجعلان المشكلة أكبر.

ونتيجةً لذلك، اضطرت الاستخبارات الإسرائيلية إلى الاعتماد بشكل كبير على شركائها الأمريكيين والخليجيين للحصول على المعلومات، مما أدى إلى تبعية وثغرات، فهم بالأصل عانوا ولا يزالوا من ضعف استخباري، حتى أن الولايات المتحدة الأمريكية خسرت بسبب نشاطها الاستخباري والعملياتي الكثير من طائرات دون طيار MQ-9 فوق الأجواء اليمنية.

2)وهم التقليل من قدرات اليمن التكنولوجية:

كما كل حلفاء أمريكا ومن يتبعها في منطقتنا، لطالما قللت الاستخبارات الإسرائيلية من شأن القدرات العسكرية الصناعية لحركة أنصار الله، ويبدو أنهم مثل العديد من الأجهزة المتحالفة مع الغرب، يعتقدون بأنها تعتمد كليًا على التعاون مع الجمهورية الإسلامية، وبأنهم يستطيعون منع تطور قدرات اليمن إن أحكموا الحصار الجوي والبحر عليه.

لكن ما يجب أن تدركه تل أبيب، هو أن حركة أنصار الله طوّرت قدرات تصنيعية محلية مهمة، مكّنتها من تطوير تكنولوجيا الطائرات المسيرة بقفزات كبيرة، إلى جانب استخدامهم المُبتكر للصواريخ الباليستية والفرط الصوتية وآخرها الصواريخ الانشطارية. وهذا أيضاً بجانب كبير منه، يكشف الثغرات والاخفاقات الاستخباراتية الإسرائيلية.

ولهذا الخطأ في التقدير عواقب استراتيجية. بافتراض إسرائيل وأجهزتها الأمنية أن حركة أنصار الله لا تستطيع المواجهة خارج حدود اليمن. لذلك لم تكن إسرائيل مستعدة لشن ضربات مباشرة على إيلات، وطرق الشحن في البحر الأحمر، والتهديدات الصاروخية وبالطائرات الانقضاضية على بنيتها التحتية الحساسة.

3)القصور الثقافي واللغوي:

تعتمد الاستخبارات البشرية على خبرة ثقافية ولغوية عميقة. وقد استثمرت إسرائيل بكثافة في اللغويين والمتخصصين الثقافيين العرب لعقود، إلا أن معظم هذه الخبرة وُجّهت نحو اللهجات والسياقات الشامية والمصرية والفلسطينية. أما اليمن، فلهجاته الفريدة ورموزه القبلية وتقاليده الدينية، فتُمثل بيئة مختلفة تمامًا. وهذا التحدي لوحده دفع بوحدة 8200 التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية أمان الى محاولة سد هذه الثغرة، عبر إجراء عمليات توظيف لخبراء في اللهجة اليمنية والعادات والتقاليد هناك.

من ناحية أخرى، إذا نجحت إسرائيل أحيانًا في زرع عملاء في أوساط عربية أو غيرها، فإن عمل حركة أنصار الله ضمن شبكات قبلية متماسكة يعطيها ميزة كبيرة مقاومة للاختراق للبشري.

4)الطبيعة اللامركزية لأنصار الله: إحباط استخباراتي

تتفوق عقيدة الاستخبارات الإسرائيلية في مواجهة خصوم هرميين. على سبيل المثال، في مواجهة الدول العربية، قد يؤدي اختراق القيادة العليا للدولة أو الجيش أو اعتراض الاتصالات العسكرية إلى إضعاف العدو بشكل حاسم. أما في مواجهة حركة أنصار الله، فإن الطبيعة اللامركزية والمتكيفة للحركة تُشكل كابوسًا استخباراتيًا. فعملية صنع القرار اليمني، لا تتركز في غرفة عمليات واحدة، بل تتوزع جهات عديدة بين القادة القبليين والدينيين والعسكريين. حتى لو تمكنت الاستخبارات الإسرائيلية من اختراق بعض القنوات، فإن قنوات أخرى تظل نشطة ومرنة.

إفلاس وفشل إسرائيل وحيطة يمنية

أمام هذا الواقع وفشل عملية 28/08/2025، علّق عضو المكتب السياسي لحركة أنصار الله الدكتور حزام الأسد في منشور على موقع إكس قائلاً: "تكرار إعلان العدو الصهيوني استهداف قيادات عسكرية وسياسية يفضح إفلاسه وفشله عسكريا واستخباراتيا وأخلاقيا"، مضيفاً بأن "العدو لا يستهدف سوى منشآت مدنية وخدمية أو مناطق خالية قُصفت مرارا، في محاولة يائسة لصناعة انتصار وهمي ولمعاقبة شعبنا وثنيه عن مواقفه الدينية والإنسانية المساندة لغزة".

ورغم الفشل الإسرائيلي، أكد العضو السابق في اللجنة الثورية محمد المقالح في تغريدة له على منصة إكس أن "اسرائيل لا تزال عمياء استخباريا في اليمن، وهذا من فضل الله. ولكنها لن تيأس وستعاود الكرة مرة واخرى وعليكم ان تواصلوا الحذر والحيطة".


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور