19:04 بتوقيت القدس المحتلة

الأربعاء 22 أيلول , 2021

عن السيادة التي انتهكها الحصار وحرّرتها القوافل..

قد لا نجد في قواميس علم السياسة تعريفًا دقيقًا لمفهوم "السيادة" يتفق عليه المفكرون والباحثون، لكن ممّا لا شكّ فيه أن جميع تعريفات هذا المفهوم تتضمّن عدم خضوع الدولة، كمؤسسة سياسية وككيان قانوني، لأي ضغط أو نفوذ خارجي، وعدم رضوخ السلطة القائمة لأي تدخّل من جهات أو هيئات خارجية.. 
في ظلّ أزمة المفاهيم التي تحدث عادة في البلاد التي تشهد انقسامات سياسية وثقافية جوهرية، شاع في لبنان مصطلح "السيادة" مقترنًا بالتماهي مع ما يريده الأميركيون في بلادنا.. وهذا ما يتنافى شكلًا ومضمونًا مع كلّ معاني كلمة "السيادة" ويتناقض مع كلّ تعريفاتها كمفهوم سياسي، ومع مضامينها على كلّ المستويات.. لقد انكبّ "السياديون" الجدد على محاكمة كلّ موقف سياسي بناء على توافقه مع المصالح والسياسات الأميركية: كلّ موقف يمسّ بهذه المصالح وبهذه السياسات هو موقف غير سياديّ، وكلّ انتهاك أو اعتداء أميركي أو موافَق عليه أميركيًا، مهما كان واضحًا، هو موقف سياديّ يحفظ حريّة لبنان وسيادته واستقلاله.

لذلك، لم يكن مستغربًا أن يثير دخول قوافل المحروقات إلى لبنان من إيران وعبر سوريا، هذه العاصفة من التباكي والحزن على السيادة. مع العلم أنّه موضوعيًا، منع بلد ما من استيراد ما يشاء ممّن يشاء، تحت سقف القوانين والأعراف الدولية، هو اعتداء صريح على سيادة البلد.. بكلام آخر، يمكن القول أن القوافل تلك حرّرت "السيادة" التي يأسرها الأميركي ويحاصرها مستخدمًا أدواته الدولية الإقتصادية والمحليّة البشرية.
إذن، منذ إعلان السيّد حسن نصرالله عن انطلاق أول باخرة محمّلة بالمازوت من الجمهورية الإسلامية في إيران إلى لبنان، مع كلّ تفاصيل الإعلان والتي من ضمنها اعتبار هذه السفن "أرض لبنانية"، وجد السياديون أنفسهم في زاوية ضيّقة. فمن جهة، هم يعرفون جيّدًا أن مشغّلهم الأميركي وحلفاؤه في المنطقة لن يتجرؤا على التعرّض لهذه البواخر، وبالتالي هم عاجزون مثله عن منع قدومها إلى لبنان. بقي لهم هامش مناورة وحيد وهو التشويش على الموضوع واستخدامه في الخطاب المحلّي الذي لم يعد مقنعًا حتى بالنسبة لأنصارهم وشارعهم. 
ومن أدوات التشويش، التباكي على السيادة، والذي تسابق إلى استخدامه كلّ الذين يخشون المسّ بالمصالح الأميركية، والتي من ضمنها الحصار الإقتصادي.
من زاوية شديدة الموضوعية، لا يمكن بأي شكل من الأشكال القبول حتى بفرضية تقول أن "قوافل كسر الحصار  هي انتهاك للسيادة". فالحصار، مهما كان شكله ونوعه هو انتهاك صريح ومباشر ومشهود للسيادة، وكسره يصبح تلقائيًا هو دفاع مشروع عن السيادة المنتهكة، بل هو حقّ طبيعي بالدفاع عن النفس ضدّ اعتداء اقتصادي يتمثّل بالمنع وبالتدخل لمنع. 
من ناحية أخرى، وبعيدًا عن الحصار وآلياته، تشير كلّ الأعراف الدبلوماسية إلى ضرورة أن لا يتدخّل سفراء الدّول في الشؤون الداخلية للدولة، وأن تدخّل البعثات الدبلوماسية في الشؤون ذات الطابع الخلافي هو انتهاك لسيادة الدولة الموفدين فيها. لم يلتفت "السياديون" إلى هذه القاعدة حين تسابقوا إلى إبداء الحزن العابر للبحار وللسفارات حرصًا على ما يسمّونه، ادعاءً، بالسيادة، فيما لم تثر أحزانهم عشرات الإنتهاكات المتواصلة للبلد وأهله وحريّته وسيادته.. إلّا أنّه لا يمكن تصنيف حزنهم في خانة الإدعاء. فهؤلاء فعلًا حزانى، وحزنهم مفهوم ومبرّر.. هم صادقون في الحرص على مصلحة السياسة الأميركية بخنق البلد وأهله وعلى ضرورة أن يستمرّ الحصار حتى تتحقّق أهدافه، وأحزنهم أن يروا القوافل الآتية لكيّ تحرّر أعناق الناس من حبل الحصار، وتحرّر السيادة..


الكاتب: ليلى عماشا