السبت 23 تشرين أول , 2021

بريطانيا تتسلل بدهاء في العراق!

السفارة البريطانية في بغداد

احتلت القوات البريطانية العراق عام 1920، وحتى عند انسحابها عام 1932 حين أُعلن العراق جمهورية مستلقة لم يكن خروج قواتها الا شكلياً بمظهره العسكري لكن التدخلات في شؤون السياسية والأمنية بقيت على حالها.

واليوم يعود الدور البريطاني الى الواجهة لا سيما في العملية الانتخابية، او الأحداث الأخيرة في العراق، عقب إعلان القوات الامريكية انسحابها التدريجي من المنطقة، وبعد ان سئم الشعب العراقي من الدخل الأميركي المباشر في الحياة السياسية للعراقيين، ومن السياسات الأمريكية التي لم تقدّم الا مزيداً من الخراب، فتتسلّم المملكة المتحدة إدارة المصالح الأميركية والغربية في البلاد بنفس الأسلوب الأمريكي وهو: العمل على توغّل النفوذ البريطاني الى المجتمع العراقي من خلال عناوين "ملمّعة" ظاهرها ثقافي وتعليمي وحقوقي فيما تشّكل في باطنها غرف سوداء سرية لإحكام قبضتها على مفاصل الدولة، وإدارة الصراع ضد محور المقاومة من بوابة العراق.

وهناك عدة قنصليات للمملكة المتحدة في العراق، هي بغداد والبصرة وأربيل، والجدير ذكره بأن لقب "أم ناجي" هو لقب متداول ومشهور بين العراقيين يطلقونه على القنصليات البريطانية، حيث يشير إلى الدقة والانضباط والدهاء لدى الإنكليز.

البعثة البريطانية في العراق:

السفير الحالي: مارك برايسون-ريتشاردسون

وهو أول سفير بريطاني مسلم وكنيته "أبو علي"، وقد كان نائبًا للسفير وقنصل بريطانيا للبصرة للفترة بين عامي 2013 – 2014، استلم منصبه الحالي في تموز من 2021.

برايسون استلم عدة مناصب في وزارة الخارجية البريطانية منذ العام 1999، كنائب سفير في الصومال ورئيس فريق عمل ليبيا والمستشار السياسي للسفارة البريطانية في كابول.

كما رأس أيضاً فريق عملية سلام الشرق الأوسط وكان نائب السفير البريطاني في الخرطوم والسكرتير الثاني السياسي للمفوضية السامية البريطانية في إسلام آباد ومدير مكتب جبل طارق في الاتحاد الأوروبي ومدير وحدة الاستقرار في وزارة الخارجية البريطانية في الفترة بين عامي 2014 و2019.

وفي أولى نشاطاته التقى برايسون بمستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي، أعلن عن "ترحيب بلاده بالحورات الجارية بين إيران والسعودية".

المجلس الثقافي البريطاني في العراق:

بحسب المعلومات الواردة على موقع السفارة على الانترنت، يستهدف هذا المجلس فئة الشباب في العراق لتعليمهم اللغة الإنكليزية وارسالهم للدراسة في المملكة المتحدة وانشاء الكليات والمدارس في العراق. وهم يتواصلون مع آلاف الطلاب والمدرسين والفنانين ورجال الأعمال والأكاديميين وصناع القرار العراقيين. تأسس هذا المجلس منذ العام 1970 في العراق. والجدير ذكره أنه تمّ إضافة مادة حقوق الانسان الى مناهج الصف الخامس الابتدائي وصعوداً، بالتنسيق مع المجلس الثقافي البريطاني.

لديهم علاقات وثيقة مع المؤسسات الرسمية من وزارات ومديريات واتحادات وهيئات (تم ذكرها على الموقع) في مجال التعليم والفن والتجارة والتنمية الدولية ولهم علاقات مميزة مع تلك الكردية. ويدعمون مؤسسات حقوق الانسان المجلس الأعلى لشؤون النساء، وينسقون مع شركات متعددة الجنسيات مثل آرت رول وفيرفلاي.

الدور البريطاني في العراق بعد الاحتلال:

 كانت القوات البريطانية ثاني أكبر القوات في العراق بعد القوات الأمريكية ودربت أكثر من 35 ألف جندي عراقي وتولت زمام الأمور في مدينة البصرة في جنوب العراق وقد تم تخفيض اعدادها بشكل كبير بعد حصار القواعد البريطانية في البصرة، بعد اكتشاف فرق البحث عدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق أتهم رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بخداع الشعب البريطاني مما كان أحد الأسباب الرئيسية لاستقالته. ولا توجد قوات بريطانية اليوم في العراق.

 يذكر أن التحليلات والتقديرات لساسة محليين ودوليين بعد الانسحاب البريطاني من العراق اعتبرت أن " sالانسحاب إذن ليس وليد قناعة بحدوث تطوّرات إيجابية في ملف الأمن العراقي، كما أعلِـن رسميا في بريطانيا، وإنما للتحسُّـب من تطورات درامية كُـبرى قد تحدُث في المنطقة، تقودها أمريكا لحسابات خاصة بها ودون مُـراعاة أمن القوات البريطانية، التي تشكِّـل الحليف الأول لها في احتلال العراق".

المواقف السياسية:

في المسائل التي لها علاقة بحل المشاكل بين العراقيين أو المسائل الأمنية ثمة تصريح موحد لدى سؤالهم في المقابلات عن هذه المسائل، وهو أن هذه المسائل هي شأن عراقي لا تتدخل فيه المملكة المتحدة، إلا أنها في المواقف السياسية العامة لا تنفصل عن مواقف الولايات المتحدة. وعلى الرغم من هذه التصريحات المتكررة إلا أن موقف السفير السابق ستيفن هيكي الذي يعتبر بحسب جريدة الشرق الأوسط أنه من أكثر السفراء الأجانب نشاطًا لجهة تحركاتهم الاجتماعية والإعلامية، اعتبر تدخلا في الشؤون العراقية بالنسبة للعراقيين، حيث اعتبر هيكي أن البيئة الحالية غير مناسبة لإجراء الانتخابات في العراق. وأثارت تصريحات هيكي تلك غضبا لدى العديد من الأوساط السياسية لا سيما الشيعية منها. وفي هذا السياق، طالب زعيم تحالف الفتح هادي العامري في بيان السفير البريطاني أن يعرف حدود مهماته قائلا إن «على السفير البريطاني أن يعرف حدود عمله، ولن نسمح له بالتدخل في الشأن الداخلي». وأضاف «على وزارة الخارجية العراقية مراقبة عمل السفراء واتخاذ ما يلزم لمنع أي تدخل في الشأن العراقي». وقال هيكي في تصريح للوكالة الرسمية للأنباء في العراق: "في جميع البلدان يكون ولاء الفصائل المسلحة إلى الحكومة"، مشيراً إلى أن "المجتمع الدولي يدعم جهود العراق للسيطرة على الفصائل المسلحة". وشدد على "استحالة أن يكون هناك استقرار بوجود فصائل مسلحة خارجة عن سلطة وسيطرة الدولة". ودعا إلى ضرورة أن "تتوفر نية للقضاء على السلاح المنفلت وبريطانيا تثمن الدور الفعال للحكومة العراقية لتقوية مؤسسات الدولة".

قام مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي باستدعائه وابلاغه بأن تصريحاته تعتبر تدخلا في الشأن العراقي. فقد هيكي اعتذاره.

موقع السفارة على فيسبوك:

يحتوي على إعلانات للالتحاق بصفوف تعلم الإنكليزية ودعوات للدراسة في المملكة المتحدة، بالإضافة إلى مجموعة من المنشورات المؤيدة لحقوق الانسان والمرأة، وإدانات لنشاطات التعدي على حقوق الانسان من داعش وقد ذكرها بالاسم، وكذلك إدانات لأعمال الشغب التي حصلت عقب ثورة تشرين والتي اتهم فيها الحشد الشعبي ولكن من دون أن تذكره بالاسم. بالإضافة إلى لوائح المعاقبين بتهم الفساد من العراقيين والذين قررت المملكة المتحدة معاقبتهم.

وفي التعليقات على هذه المنشورات تبدو أغلب التعليقات عدائية تجاه المملكة المتحدة وذات مضمون يكشف عن دورها التخريبي في العراق.

موقع السفارة على تويتر:

يركز موقع السفارة على تويتر على قضايا التغير المناخي وكيفية الحصول على بيئة صحية، واعلانات عن مؤتمرات وورش عمل تنموية وثقافية، وهي غير ناشطة على مستوى تفاعل الجمهور معها.

خلاصة

على الرغم من التصريحات المتكررة للسفراء البريطانيين بأنهم لا يتدخلون في الشؤون الداخلية العراقية، إلا أنهم يعبرون دائمًا عن مواقف داعمة للولايات المتحدة في نشاطاتها التي تتدخل في الشؤون العراقية، وهم يحاولون من خلال ما ينشرونه عبر الانترنت ومواقع التواصل الظهور بمظهر المهتم بالتنمية العامة والتعليم والفن لمساعدة الشباب العراقي، إلا أنهم يستغلون النخب والعناصر الناشطة في القطاعات التعليمية والثقافية لإنشاء شبكات نخبوية والتغلغل في المجالات التعليمية في البلاد وهذا هو ديدن المملكة المتحدة للنفوذ والتدخل في كافة الدول منذ أيام الاستعمار، والعراق اليوم إحدى هذه الدول والساحات المشرّعة للاستخبارات وأجهزة الامن البريطانية.


الكاتب: غرفة التحرير