الأربعاء 21 أيلول , 2022

التسليح الأميركي لمصر: ابتزازٌ مُقونَن!

مصر وواشنطن

للعام الثاني على التوالي تقرر الولايات المتحدة عدم الإيفاء باتفاقها مع مصر الذي يقضي بإمداد الأخيرة بالأموال اللازمة للتجهيز العسكري وتقديم التسهيلات بشأن ذلك. وبناء على ما وصفته "عدم وفاء مصر بشروط تتعلق بحقوق الانسان"، حجبت 130 مليون دولار، فيما ستفرج عن بعض المساعدات الأخرى المنفصلة عن بند التسليح بما يبلغ قيمته حوالي 74 مليون دولار.

هذا التقييم المتكرر الذي تقدمه واشنطن لأداء القاهرة، لا يمكن وضعه إلا في إطار "الابتزاز". اذ ان المساعدات (البالغة قيمتها 74 مليون دولار) أتت نتيجة رؤية واشنطن ان القاهرة قد "أحرزت تقدماً بما يتعلق بالمعتقلين السياسيين". فيما لم تحل ايضاً قضية انتهاك حقوق الانسان -حسب زعمها- بحجب حوالي 95 مليون دولار كاستثناءات لملف مكافحة الإرهاب وامن الحدود.

أسئلة كثيرة شابت أسلوب واشنطن هذا. اذ طرحت إشكاليات عدة حول طبيعة الاعتبارات التي تتخذها الإدارة الأميركية "للإفراج عن المعونة العسكرية" من عدمه، وهل ذلك فعلا يرتبط بانتهاك حقوق الانسان ام ان هناك اعتبارات أخرى، خاصة ان الحجب هذا يتم بطريقة متكررة.

بالنسبة للقانون الأميركي، فإنه يلزم وزارة الخارجية بالتأكد من هذا البند -حماية الحريات- واذا ما كانت القاهرة تحرز تقدما به. حتى بات يرتبط حصولها على حوالي 300 مليون دولار بمدى هذا التقدم -الذي هو بطبيعة الحال يخضع للتقييم الأميركي- ويمثل هذا المبلغ حوالي 9% من اجمالي المخصصات العسكرية.

وفي حين تعتبر مصر بالنسبة لإسرائيل بلداً مهما ومؤثراً نتيجة موقعه وموارده أولا وقربه الجغرافي على حدود فلسطين ثانياً، إضافة للعلاقات الطويلة مع الولايات المتحدة، فإن تحقيق هذا الخرق العسكري المستمر للجيش المصري يخدم بشكل مباشر ولا لبس فيه، الامن القومي لكيان الاحتلال، ولا نقاش بضرورة ديمومته. والذي يمثل في حال توتره، خدمة للصين وروسيا اللتين تنتظران فراغاً صغيراً او موطئ قدم هش للدخول إلى المنطقة بشكل أكثر فعالية. ولا جدل بأن مصر، بموقعها الاستراتيجي الهام، تجلب انظار العديد من الدول ولا رغبة لواشنطن بخسارته.

الخبير العسكري الأميركي ديفيد ويتي، يقول من جهته، انه على الولايات المتحدة ان تنظر إلى هذه المخصصات العسكرية التي تقدمها إلى مصر على انها تقع تحت بند النفقات التشغيلية لا هبة معدومة النتائج والثمار. وأشار خلال الدراسة التي أعدها حول العلاقة العسكرية الأميركية المصرية إلى الأهمية التي يمثلها الاستمرار في ربط تفاصيل المخصصات بالحريات وحماية حقوق الانسان. فيما أوصى بضرورة ربط هذه المسألة بتحقيق الأمن القومي لكل من واشنطن وتل ابيب وامنهما القومي في تلك البقعة الجغرافية.

وهذا يفتح الباب مجدداً للحديث عن الامتيازات التي يقدمها النظام المصري لكل من إسرائيل والولايات المتحدة. ليس فقط على صعيد الاقتصاد والمواقف السياسة انما ايضاً على صعيد التسهيلات الأمنية والعسكرية على الأراضي المصرية وعلى المعابر والحواجز مع فلسطين المحتلة، والتدريبات العسكرية المشتركة والامتيازات المتعلقة بحق المرور في المياه الإقليمية والوصول المباشر عبر قناة سويس دون عوائق او تأخير وحق المرور واستعمال الأجواء المصرية وأخيراً استعمال أراضيها لنقل النفط والغاز إلى الدول الأوروبية.

وبالتالي، فإن هذا الابتزاز المستمر لمصر من قبل الإدارة الأميركية لا يعدو كونه حلقة من مسلسل طويل لن ينتهي. ولم تربط واشنطن معوناتها العسكرية بعنوان فضاض كاحترام حقوق الانسان والديموقراطية إلا للحفاظ على هامش من الضغوطات تتحرك فيه لكسب ما تحتاجه من امتيازات وقتما تريد ذلك.


الكاتب: غرفة التحرير