الخميس 31 آذار , 2022

هل تُنتج التباينات الروسية-الاسرائيلية في أوكرانيا تصعيداً في المنطقة؟

بوتين وبينت

 تتحرّك موسكو على قاعدة دور الشراكة في الأمن الأوروبي، والموقع الاندماجي مع الغرب سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا بعيدًا عن العداء والصراع. وفي مسعى بوتين لإعادة هيكلة النظام الأمني الأوروبي في خطوة تحبط المخطط الأميركي في دمج الدول الأوروبية لمواجهة روسيا، ارتأى في العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وقبلها كازاخستان، حركة تصحيحية للعلاقة مع الغرب، تعيد التوازن الاستراتيجي إلى مرحلة ما قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، وتبعِد الغرب وحلف الناتو عمّا تسميه موسكو بمجالها الحيوي.

 يجمع العديد من الخبراء والمحللين على أنّ الحركة الروسية الأخيرة في سوريا بالتزامن مع العملية العسكرية في أوكرانيا هي بمثابة رسالة قوية الدلالات إلى الأمريكي وحلف الناتو على ما تمتلكه موسكو من استراتيجية القدرة على فتح عدّة جبهات، مع تغطية البحر الأبيض المتوسط كقوة عالميّة ووسيط شرق أوسطي يستطيع التحدث مع جميع الأطراف. وفي وقت ينتظر فيه العالم تطورات العملية وتداعياتها العالمية والشاملة المجالات، قد تكون منطقة غرب آسيا على موعد مع تحوّل استراتيجي في العلاقة الروسية الإسرائيلية، وتحديدًا في ما يخصّ الموقف والأدوار في سوريا. فما تروّج له معظم المقالات والتحليلات الغربية والإسرائيلية، حول لجوء الروسي إلى فتح ساحة أخرى، سورية بالأغلب، في حال الاضطرار لتخفيف الضغط عليه في الساحة الأوكرانية وفي مواجهة تداعياتها من عقوبات وعزلة، احتمال راجح. بيد أنّ الحصر باتجاه الطرف الأميركي و/أو التركي دون الإسرائيلي يشوّه التحليل ويبتر سياق التحولات المفروضة ذاتيًّا في المنطقة، التي قد تكون على موعد مع ترجيح علاقة موسكو مع محور المقاومة على حساب العلاقة مع الكيان المؤقت، وفق ميزان الفوائد والمصالح.

مؤشرات التغيّر العسكرية

 قد يكون الطرح معاكسًا للتيار، لكن تطورات الأحداث في الفترة الأخيرة تحمل العديد من المؤشرات العسكرية والسياسية على أنّ العالم يشهد تحولات جذرية تترافق بشكل طبيعي مع النظام المتعدد الأقطاب، وأن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا تبرز سياق التحوّل، وتعكس ارتداداته في منطقة غرب آسيا، وتحديدًا في الساحة السورية. وقد سبقت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا زيارة وزير الدفاع الروسي الرئيس السوري، وإجراء مناورات عسكرية للجيش والبحرية الروسية، إضافة إلى نشر طائرات حربية مقاتلة من طراز MiG-31K؛ مزودة بصواريخ تفوق سرعة الصوت وقاذفات استراتيجية طويلة المدى. ومع مرور ما يزيد عن الشهر على بدء العملية العسكرية، فإن مؤشرات التغير لا سيما السياسية منها يتزايد رصيدها.

بدأ التغير الروسي في طريقة التعاطي الخاصة مع الضربات الإسرائيلية على سوريا قبيل العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، في فترة اتسمت بتأزم الموقف والعلاقات ما بين موسكو وكييف. دخلت الدوريات المشتركة الروسية السورية ميناء اللاذقية السوري في العشرين من كانون الثاني، بعد تعرضه للقصف الإسرائيلي. ثم جرت أول دورية جوية مشتركة على طول المجال الجوي السوري، بما في ذلك منطقة مرتفعات الجولان. ولاحقًا، قام الروس بتنفيذ "عمليات تشويش" انطلاقًا من قاعدة حميميم أثناء الضربات التي استهدفت مواقع في ريف دمشق. وعلى رغم عدم توقّف الغارات الجوية، لكن قلق الكيان خرج للعلن بعد تسيير تلك الدورية الجوية المشتركة الذي وصفته مجلة "فوربس" الأميركية" بأنّها وسيلة موسكو للتعبير عن سعيها لمساعدة دمشق على استعادة السيطرة على سيادة مجالها الجوي، مع الأخذ بعين الاعتبار القوات الجوية الأجنبية الرئيسة العاملة بشكل روتيني فيه: "إسرائيل" وتركيا والولايات المتحدة. وهو ما يتوافق مع ما توصّلت إليه دراسة لمعهد أبحاث الأمن القومي في جامعة "تلّ أبيب" أوصت بأن على "إسرائيل"، الأخذ في الاعتبار مصالح روسيا، سواء تجاه إيران أو تجاه واشنطن، في ظل الظروف الدولية المتغيرة، وأنه في مرحلة ما قد يتم لعب الورقة الإيرانية بطرق مباشرة تضر بالمصالح الإسرائيلية. وفي سيناريو متطرف، قد يكون هناك مصلحة في زيادة التوترات في الساحة السورية كوسيلة للضغط الروسي على الغرب بشأن القضية الأوكرانية. بينما أشارت دراسة سابقة لنفس المركز إلى أنّ توقع أن يقوم الأسد وروسيا بالعمل لصالحها هو توقّع خاطئ.

 مؤشرات التغيّر السياسية

سياسيًّا، استنكرت وزارة الخارجية الروسية بيانًا اعترضت فيه على قصف مواقع بريف دمشق وصفت فيه الضربات بأنها "تثير قلقًا عميقًا وانتهاكًا صارخًا لسيادة سوريا". وقابل نائب سفير روسيا لدى الأمم المتحدة، دميتري بوليانسكي، البيان الإسرائيلي الداعم لـ "وحدة أراضي وسيادة أوكرانيا"، بإعلان "عدم الاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي لمرتفعات الجولان السورية". كما رفضت روسيا الرسالة الاسرائيلية التي تفيد بأنّ الأنظمة الدفاعية المتطورة التي يشغلها الجيش الروسي في قاعدة "حميميم" الجوية في ريف اللاذقية، تعطّل الموجات الكهرومغناطيسية، وتسبب اضطرابات في نظام تحديد المواقع العالمي GPS، وتؤثر على الطائرات التي تستعد للهبوط في مطار بن غوريون. وفي الخامس والعشرين من آذار، أعلن السفير الروسي لدى دمشق، ألكسندر يفيموف، خلال اللقاء الذي نظمه اتحاد الكتاب العرب في سوريا إنه "بالنسبة للهجمات الإسرائيلية على سوريا، فإن "إسرائيل" تستفزنا لنقوم برد فعل وهذه الأعمال تهدف لتصعيد التوتر واستئناف العمليات العسكرية، وإفساح المجال للغرب للقيام بنشاطات عسكرية في سوريا". وتشير التصريحات الروسية الأخيرة الى احتمال استمرار التوترات طويلة الأمد بين الكيان المؤقت وروسيا بشأن سوريا، الأمر الذي يرجح معه احتمال سقوط المعادلة الإسرائيلية في سوريا.

في تحليل المؤشرات

تأتي هذه التطورات بينما تحاول "إسرائيل" السير بخطوات حذرة ما بين روسيا وأوكرانيا رغم الحرج مع الطرفين، لكنها تقدّم بما فيها من التغيّر في طريقة التعاطي الروسية مع الضربات الإسرائيلية تلميحات عن نوع التحديات التي قد يواجه بها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، تهديدات المسّ بمكتسبات موسكو وموطئ القدم الاستراتيجي لها في البحر الأبيض المتوسط والبنية التحتية العسكرية للمواجهة العالمية مع واشنطن والناتو. يتبنّى بعض المحللين الإسرائيليين والعرب عدم وجود خلاف أو مجرد احتمال لعدم قبول موسكو للسياسية الإسرائيلية تجاه سوريا، وبأنها مجرد رسائل للضغط على واشنطن عبر الكيان المؤقت وبإظهار قدرتها على تسيير أكثر من ملف. في حين تراهن العديد من التقارير المحلية والغربية على وجود "صدع غير معلن" بين طهران وموسكو في الساحة السورية. ويثمّن البعض لقاء الرئيس بوتين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، نفتالي بينت، أواخر شهر تشرين الأول، كانعطاف جديد في الخطاب الروسي، إذ غيرت موسكو استراتيجية الإعلان عن التصدي للصواريخ الإسرائيلية، مع بدء استهداف إيران في مناطق الساحل السوري.

 في المقلب الآخر، يوصّف البعض الإجراءات الروسية بـ "الكشف التدريجي للموقف" الذي ستتخذه موسكو في المرحلة المقبلة. ويرى أن موسكو ترسل رسالة تهديد عالٍ للناتو ومن خلفهم واشنطن، بشأن ساحة أخرى نشِطة في المنطقة، وأنّ أي تغيير في قواعد اللعبة في سوريا يهدّد أولوية المصالح الروسية، قد يفضي إلى تغيير السياسة الروسية تجاه حلفاء الناتو في الشرق الأوسط، وعلى رأسهم الكيان المؤقت. وقد نقل معلق الشؤون العسكرية في صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، يوسي يهوشع، عن محافل أمنية في "إسرائيل" أنّ الاختبار القريب سيكون في الحفاظ على حرية العمل الجوي في سوريا، مؤكدًا أن هيئة الأركان العامة بجيش الاحتلال تستند لكل سيناريو، وأيضًا لما تم تعريفه على أنه نوع من "برودة مؤقتة" من جانب الروس في سوريا، في وقت يقدّر فيه بعض المسؤولين الإسرائيليين أن "وضع السياسات الروسية في هضبة الجولان، قد يتغير في المدى القصير".

 هذه السياسة الروسية المؤقّتة هي التي تقلق المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي لا تستبعد أن يقيد بوتين "إسرائيل" في تنفيذ نشاطات عسكرية في غرب آسيا وخاصة على الأراضي السورية، وتخشى من نقل روسيا سلاح أكثر تقدمًا، طلبًا لعائدات صفقات تسليح ضخمة، ولخلق توازن رعب ضد القوات العسكرية الغربية الموجودة في المنطقة. هذه الهواجس التي نقلتها صحيفة هآرتس العبرية ترتفع حدّتها مع خشية مصادر أمنية إسرائيلية من تفعيل بوتين منظومات تشويش "جي بي إس" متطورة، وحربًا إلكترونية وهجمات سيبرانية في حال بدأت قوات الناتو وقوات عسكرية أخرى في الانتقال إلى البحر المتوسط أو إلى دول المنطقة، مما يعني تقييد حرية عمل الجيش الإسرائيلي، وحتى إلى تعطيل عمل منظومات تكنولوجية عسكرية ومدنية في "إسرائيل"، على حد تعبير الصحيفة.  

من جهة أخرى، يعاني الكيان المؤقّت من قلق متنام نتيجة الضغط الأميركي على الإدارة الإسرائيلية لاتخاذ موقف أكثر تشددًا من روسيا. بيد أنّ اتّخاذ هذا القرار عالي التكلفة على الإسرائيلي، خاصّة إذا ما فرض الأميركي عليه فكّ الارتباط معه، وهو ما لا يصبّ في مصلحة كل من الإسرائيلي والأميركي. لذا، قد تكون العقوبات المالية هي الزاوية التي يمكن للأميركي أن يخترق فيها العلاقة الروسية الإسرائيلية. وهو ما قد بدأت ملامحه مؤخرًا مع ما ذكرته نائبة وزير الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية، فيكتوريا نولاند، للقناة 12 الإسرائيلية عن التوقف عن قبول ما وصفته بـ "الأموال القذرة" أي الأموال الروسية، والمشاركة في عقوبات مراقبة الصادرات المفروضة عليها، وفق ما ذكرته صحيفة "الاندبندنت" البريطانية، وذلك لجهة عدم مساعدة موسكو في التهرّب من العقوبات المالية وقبول تحويل رجال أعمال روس من أصول يهودية جزء من ممتلكاتهم إلى الكيان المؤقّت. وقد تعهد وزير الخارجية الإسرائيلي بعد أيام، بـ "عدم السماح لموسكو والأوليغارش الروس بالالتفاف" على العقوبات الغربية المفروضة عليهم بعد غزو أوكرانيا.

وكأن تهديد الاتفاق النووي ما كان كافيًا للكيان المؤقّت حتى يعيش تحدّي تغيّر العلاقة مع موسكو ويتفاقم عنده قلق مواجهة خطر التهديدات الوجودية عليه، وتحديدًا من منطقة الجولان، حيث أدّت العملية العسكرية في أوكرانيا إلى توتر إسرائيلي روسي في الملف السوري يهدّد بتدهور العلاقات بين الطرفين. إنّ احتمال التقارب الروسي الإيراني العسكري والسياسي غير مستبعد البتة وفق تقديرات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، مع ما يوفّره ذلك من حرية أكبر لمحور المقاومة في سوريا ويقوّض حركة العدو ويربك خياراتها. يحاول الكيان المؤقت إمساك العصا من الوسط ما بين موسكو وواشنطن، في وقت تفتقر فيه التفاهمات بين روسيا والكيان المؤقت إلى الطمأنينة ويتهدّد مصيرها التغيّر في موازين القوى بما تتغيّر معه المعادلات القائمة.

 ومع استمرار الضغط الجاري والمتصاعد على الكيان مع استمرار العملية وبدء دفع الروسي مستحقاتها، سيصل معها ارتباك الكيان إلى الذروة بما يضطره إلى الانحياز إلى أحد الطرفين، والأكيد أنّ الخطوة ستتسارع خاصة إذا ما اصطدم الإسرائيلي بحركة من محور المقاومة تستغل الظروف الإقليمية والدولية الجارية أو على الأقل جهوزيتها لذلك. إنّ احتمال حصول اشتباك بين "إسرائيل" والمحور سيؤدّي إلى فقدان الغرب التوازن الاستراتيجي حيث سيضطرّ إلى التركيز على غرب آسيا في ذات الوقت الذي يركّز فيه على أوكرانيا. وهو احتمال قائم وفق المراكز الإسرائيلية ذاتها. وفي ظل المعاناة الروسية من العقوبات ومع صعوبة التفلّت منها عبر الواجهة الإسرائيلية، فإنّ السوق الإيرانية قد توفّر البديل للالتفاف الروسي المالي، في حال عودة الاتفاق النووي. ومع إضافة هذين الاحتمالين إلى كل المؤشرات أعلاه، ترتفع احتمالية تغيّر الاصطفاف الروسي.  


المصدر: مركز دراسات غرب آسيا