لا شكّ أن السابع من أكتوبر أحدث هزّة عميقة في مفهوم الأمن القومي الصهيوني، نتيجة الفشل الأمني والاستخباراتي الذي مُني به جيش الاحتلال، والذي كبّده خسائر ضخمة على مختلف المستويات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والنفسية بصورة باتت إعادة النظر بأصل المفهوم وتكييفه مع التحولات أمر لا بدّ منه، لا سيما بعد مرور سنة وحوالي 5 أشهر على اندلاع الحرب. وقد حظي هذا المفهوم اهتمامًا واسعًا من قبل الباحثين والقادة الصهاينة، في الآونة الأخيرة، الذين بادروا إلى طرح الرؤى والتوجهات والتوصيات التي من شأنها معالجة الثغرات وضبطها وفق المتغيرات التي تشهدها المنطقة كما وطرق التعامل مع التحديات الجديدة والمستقبلية.
وقد تعدّدت التوجهات والآراء؛ فهناك من ركّز على المستوى العملياتي واستثمار الموارد الضخمة اللازمة لتعزيز جيش الاحتلال في مواجهة التحديات المستقبلية، وهناك قسم آخر ركّز على ضبط مفهوم الأمن وتكييفه وفق التطورات الحالية مع التركيز على ثغرات الردع تجاه الجهات غير الحكومية. ورأى آخرون أن التركيز الأساسي يجب أن ينصبّ على تحسين عمليات صنع القرار على المستوى السياسي فيما يخص استراتيجيات الأمن، وأوعز البعض الآخر أن المشكلة هو في غياب مفهوم أمني رسمي محدّث ما يصعّب عملية تطوير المفهوم بما يتناسب مع التطورات، وهناك من نادى بضرورة الضربة الوقائية.
وعليه، اتخذ الأمن القومي حيّز اهتمام متعدّد الجوانب ما أظهر حجم الإخفاق الذي سبّبه اندلاع الأحداث في السابع من تشرين الأول 2023. وبحسب "إيدو هيشت"، الباحث في مركز بيغن والسادات للدراسات الاستراتيجية، خلافًا لادّعاءات الكثيرين، فإن مفهوم الأمن القومي لم ينهار في السابع من أكتوبر كونه يرتكز على حقائق جوهرية نابعة من الوضع الطبيعي للكيان، إنّما تطبيق المفهوم الذي طورته قوات الدفاع الإسرائيلية وأجهزة الاستخبارات تدريجيًا على مدى العقود الثلاثة الماضية، هو الذي انهار بالفعل.
على مدار حوالي السنة والنصف، أي منذ السابع من أكتوبر وحتى يومنا هذا، ظهر جليًا الضربة القوية التي تعرّضت لها ركائز الأمن القومي الصهيوني ومبادئه الأساسية، سواء على صعيد الفشل في تحقيق الدفاع القوي نتيجة الإخفاق الأمني الاستخباراتي والمباغتة التي تعرّض لها الكيان المؤقت، بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية والخسائر التي تكبّدها طول هذه المدّة والتي لا يزال يعاني منها، الأمر الذي زعزع المرونة الاقتصادية لديه. كذلك الأمر بالنسبة للمرونة والوحدة الاجتماعية، حيث باتت الصراعات والخلافات الداخلية تطفو على العلن، وقد أظهرت استطلاعات الرأي لا سيما تلك التي يجريها معهد دراسات الأمن القومي، التراجع في المرونة الاجتماعية (التشاؤم/ المخاوف بشأن الأوضاع الأمنية/ الأمن الشخصي/ التكافل الاجتماعي)، على الرغم من الارتفاع الطفيف الذي شهدته بعض عناوينها.
وفيما يخصّ مبادئ الدفاع أثناء الحرب، فقد عجز الكيان عن الحسم السريع وتقصير أمد الحرب، التي لا تزال مستمرة حتى الآن، كذلك الأمر بالنسبة لنقل الحرب إلى أراضي العدو خاصة فيما يتعلق في لبنان إذ لم يستطع الكيان تحقيق أهدافه في ظل المعارك التي خاضها مع حزب الله وكل ما استطاع تحقيقه هو التخريب والتدمير بعد إعلان وقف إطلاق النار، بالإضافة إلى أنه فشل في تحقيق النصر الكامل، وتفاقمت الخلافات بين قيادتيه السياسية والعسكرية كما وتراجعت ثقة الجمهور بمؤسسات الكيان، وغيرها من العناوين التي أظهرت أن معركة طوفان الأقصى قد أثبتت:
- فشل: الردع، التحذير، الدفاع، والحسم. فحتى لو تم في نهاية المطاف تحقيق الهدف العسكري الذي حددته الحكومة الإسرائيلية بالكامل، فإن استغراق هذا الوقت الطويل لتحقيقه يتناقض مع أحد مبادئ مفهوم الأمن الإسرائيلي: التوصل إلى حسم سريع من أجل تقصير مدة الحرب.
- أن تقليص حجم قوات جيش الاحتلال كلّف الكيان ثمنًا باهظًا في الحرب الحالية.
- الاعتماد على التكنولوجيا لا ينفِ الحاجة إلى القدرات والوسائل القديمة.
- ضعف القدرة التسليحية لجيش الاحتلال، وضعف قدرته على مواصلة خطوط الإمداد بالذخائر، والأسلحة في حرب طويلة، فبحسب تحقيق عكيفا بيجمان في موقع ميدا الإسرائيلي فإن "هجوم حركة حماس أخذ إسرائيل على حين غرَّة، ولم يكن الجيش مستعدًا، ولم تكن مستودعات الأسلحة ممتلئة بالكامل، وكانت كميات ذخائر المدفعية والقوات الجوية والدبابات محدودة، ولم يكن لدى الجيش الإسرائيلي قدرة حقيقية على شن هجوم واسع النطاق طوال الوقت".
- أزمة ثقة بين الجمهور ومؤسسات الكيان لا سيما الجيش كذلك داخل الجيش نفسه، حيث يقول اللواء احتياط يفتاح رون تال في تصريحات إذاعية إن رئيس الأركان زامير "لديه مهمة ضخمة تتمثل في إعادة بناء الجيش، الذي يعيش أزمة ثقة هي الأكبر في تاريخه، بين القيادة الدنيا والقيادة العليا، وبين الجيش بأكمله والجمهور".
- أن مفهوم الأمن القومي الذي تم تطويره في النصف الأول من خمسينيات القرن العشرين نابع من الظروف الأساسية لإسرائيل ولا يزال صحيحًا حتى اليوم، والتعديلات التي طرأت في السنوات الأخيرة لم تكن في غالبيتها مجدية أو كافية.
التوصيات المطروحة:
إن هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 كشف النقاب عن أوجه القصور والفجوات في طريقة فهم وتطبيق مفهوم الأمن القومي الصهيوني، إذ أن الفشل في فهم العلاقات بين مكوناته ومبادئه أدى إلى عدم توافق في الواجبات والقرارات السياسية والعسكرية، ممّا جعل من الصعب على قوات الاحتلال الاستعداد بصورة مناسبة لمثل هذه المباغتة، وقد ثبت أن التركيز فقط على شكليات الاستراتيجية الأمنية، ساهم في إغفال القضايا الجوهرية، بصورة بات فيها مفهوم الأمن في الكيان يحتاج إلى تعزيز الجوانب النظرية والتطبيقية ليكون أكثر فعالية ومرونة ومواكبة للتطورات والتحديات والتهديدات المستقبلية. مع التركيز على أن المطلوب هو التحديث المناسب لأساليب التنفيذ، وليس تغيير المبادئ، وكثرت التوصيات والمتعلقة بالمفهوم والتي جاءت على الشكل التالي:
- الحاجة إلى تقييم الوضع السنوي الذي يجريه مجلس الأمن القومي لقياس مدى امتثال الكيان لمبادئ العقيدة الأمنية والأخذ بعين الاعتبار توفير المخرجات الاستراتيجية (الردع، الإنذار، الحسم والدفاع):
أ- تقييم توازن الردع وكيفية تفسير أعداء إسرائيل لهذا التوازن.
ب- التركيز على مفهوم جمع المعلومات الاستخباراتية.
ج- دراسة قدرة الكيان الدفاعية في مواجهة فشل الإنذار في السيناريوهات المختلفة.
د- دراسة قدرة الجيش على اتخاذ القرارات في مختلف السيناريوهات كما والعلاقة بين الإنجازات، التكاليف والوقت.
ه- تقييم القدرة الدفاعية للكيان في مختلف السيناريوهات والتحسينات اللازمة.
- الحفاظ على المبادئ الأساسية لعقيدة الأمن وتطويرها، وخلق التماسك المطلوب في مفهوم الأمن.
- ضرورة تقوية الآلية السياسية لتمكين الحكومات من صياغة استجابات استراتيجية فعالة بناءً على تقييمات عملية وصحيحة.
- زيادة اليقظة وتقليص الغطرسة/ الغرور فيما يتصل باستقرار الكيان وقوّته في أي لحظة.
- الحاجة إلى تحقيق توازن بين الاستراتيجية والأداء العسكري حتى تحظى إسرائيل بالأمان المنشود.
- الحاجة إلى إعادة النظر في استراتيجيات الكيان على جميع الأصعدة، وتقديم تقييمات دقيقة للمخاطر.
- ضرورة إعادة الهيكلة وتوحيد المنظومات، وتعزيز التعاون بين مجلسي الأمن القومي والأجهزة الأمنية مع التركيز على الجيش.
- ضرورة إعادة بناء أنظمة جمع المعلومات التي تم إلغاؤها أو تقليصها، وذلك بالاعتراف بالفائدة التي يمكن الحصول عليها منها على الرغم من اعتبارها "قديمة".
- إعادة فحص المعايير التي يتم من خلالها اختيار الأشخاص للوظائف المختلفة في الاستخبارات، وإعادة النظر في التدريبات التي يتم تقديمها لهم.
- الحاجة إلى فهم أوسع وأعمق لثقافة العدو، وتوظيف اعتباراته، التي تختلف ثقافيًا ومفاهيميًا عن ثقافة الكيان.
- موازنة التناقض بين الاعتماد على الذات والاعتماد على قوة عظمى، من خلال بناء قوة تتناسب مع حدود إسرائيل، قوة تمنحها الاستقلالية وحرية العمل لفترة معينة حتى وإن تعارضت مع القوة العظمى الداعمة لها.
- ضرورة زيادة القدرة الإنتاجية في إسرائيل وحجم المخزونات التي يحتفظ بها جيش الاحتلال.
- تشكيل حجم الجيش توازنًا بين الضرورة، أي القدرة المطلوبة لهزيمة التهديدات القائمة، والقدرة على التوظيف والتمويل.
- العودة إلى النهج السابق، وتحقيق توازن أفضل بين الكمية والجودة التكنولوجية، فالتقنيات الحديثة لا تحلّ محل التقنيات القديمة، بل تضيف طبقة جديدة من القدرات التي تعتمد على التقنيات القديمة وتُحسّن أدائها في مجالات محدودة فقط.
- تحسين أداء مجلس الوزراء السياسي والأمني ومشاركته المباشرة في إدارة الاستراتيجية الأمنية والسيطرة على المفهوم التشغيلي، وإضفاء طابع قانوني على تشكيلته وصلاحياته ومساهمته في مراجعة وإقرار استراتيجية الأمن والتقييمات الدورية للوضع، وإجراء مناقشات منتظمة ومراقبة قضايا بناء قوة الجيش والخطط العملياتية وجمع المعلومات الاستخباراتية.
- ضرورة صقل فهم الردع كأداة، ومزاياها، وحدودها، وملاءمتها الفريدة لكل عدو في حد ذاته وضد كل الأعداء المحتملين مجتمعين، ولكل حالة في حد ذاتها.
- الحاجة إلى حساسية كبيرة تجاه العلامات التحذيرية التي من شأنها أن تحذّر/ تنبّه، ومن ناحية أخرى، حساسية كبيرة تجاه تهدئة الحاجة إلى عدم التحذير/التنبيه على نحو من شأنه أن يؤدي إلى انهيار النظام المدني والعسكري الإسرائيلي.
- إعادة بناء نظام الدفاع الإقليمي الأصلي/ الأساسي، لأنه الاستجابة الأسرع لأي تهديد لا يوجد له تحذير مسبق في الوقت المناسب. كما وبناء أنظمة دفاع حدودية ليس فقط لمواجهة التهديد الضعيف (الهجمات الإرهابية - الأمن المستمر)، بل أيضًا ضد التهديد القوي (الغزو - الأمن الأساسي).
- تعزيز عنصر تدمير القوات مع التكيف مع أنواع قوات العدو وطريقة نشرها.
- ضرورة بناء قدرة معينة للحروب الطويلة أيضًا.
- بناء درجة معينة من الاستقلال تسمح لإسرائيل بالمرونة اللازمة للتصرف، جزئيًا على الأقل، في معارضة موقف القوة العظمى والتقليل من الاعتماد عليها.
- ضرورة وجود جيش كبير، يسمح بالقتال في وقت واحد في عدة قطاعات ضد عدة أهداف، كشرط أساسي لمواجهة حرب طويلة، وتحقيق قدر من حرية العمل كما ومنح القوات مساحة للتنفس عبر التناوب.
- ضرورة ضمان ارتباط فعّال بالمخرجات الاستراتيجية المطلوبة من المستوى العسكري من خلال عقيدة الأمن والتقييم المستمر لالتزامه بها.
- الدعوة لنشر سياسة رسمية للأمن القومي من قبل الحكومة الإسرائيلية، على أن تكتب السياسة الأمنية من قبل حكومة منتخبة وأن يتم تعديلها كلما حدثت تغييرات كبيرة في الواقع وفي سياسة الحكومة.
- الحاجة إلى إعادة نظر علنية في مبادئ الأمن القومي.
الاستنتاج:
إن أحداث السابع من أكتوبر كشفت حجم الخلل والثغرات التي يعاني منها مفهوم الأمن القومي، بصورة دفعت العديد من الباحثين لطرح تصوّرات ورؤى وخطط للعمل على معالجة المشاكل ليس في المبادئ إنّما في التنفيذ. وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي تكبّدها العدو إلّا أنه حقّق بالمقابل مكاسب تكتيكية منحته القدرة على إعادة النظر والتقييم بصورة جعلته يحاول مواجهة تحدّياته من منطق القوة من خلال الحفاظ على حرية الحركة والعمل في عدّة ساحات. وبناءً على التحديات التي تمّ طرحها وطرق المواجهة، يظهر جليًا أن العدو الصهيوني بات ينتهج سياسة التصعيد لإضعاف أعدائه دون الاكتفاء بالردع والاحتواء سواء في غزة، لبنان، اليمن وحتى العراق. وبالتالي، هو يسعى إلى التكيّف مع التطورات الجديدة بصورة لا تعود فيها الحرب الطويلة عائقًا إنما سبيلًا للقضاء على الأعداء وتحقيق المزيد من المكاسب التي ستمهّد في المرحلة المقبلة الطريق أمام الترويج للتطبيع مع دول المنطقة.
فهو يسعى إلى ضبط مفهوم الأمن القومي ليتكيّف مع التحديات المستقبلية من خلال العمل على الموازنة بين الاعتماد على قوى عظمى وعلى الذات بالإضافة إلى استعادة الاهتمام بالقدرات والوسائل القديمة وتطويرها بما يتوافق مع التغيرات دون الاكتفاء بتحصيل الإمكانات التكنولوجية المتقدمة التي أثبتت أنها غير كافية، والسعي لزيادة حجم وجودة جيش الاحتلال ومضاعفة التدريبات وتأهيل القوات البرية والوصول إلى المكان الذي لا تعود فيه الحرب الطويلة عائقًا إنما سبيلًا للقضاء على الأعداء وتحقيق المزيد من المكاسب في الردع وتطوير القدرات الدفاعية. وبالتالي، هو يعمد لتطوير سياساته وتقييم ثغراته وانتهاج مختلف الوسائل والأدوات السياسية، الأمنية، العسكرية، الدبلوماسية، الاقتصادية، والاجتماعية من أجل تأمين التنفيذ الصحيح لمفهوم الأمن القومي الذي يحقق له الأمان على المدى الطويل، بعد الإخفاق الذي تكّبده العدو على مختلف المستويات والذي كشف زيف الصورة الأمنية التي حاول لسنوات الترويج لها. فقد بات بحاجة لإعادة رسم مسار جديد متكامل ومكثّف حتى يستعيد بعضًا ممّا خسره داخليًا وخارجيًا.